تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم

رَسائلُ الثُّغُور:

الرسالَةُ الثالثَة: دَعُوها فَلَيْسَتْ مَوازِينا!.

الحمدُ للهِ؛ وبعد:

فإنَّ أمْرَ الإنسانِ في هذه الحياةِ الدنيا أَمْرٌ لا يَنْقَضِي مَعَهُ العَجَبُ!؛ فَرُبَّ صغيرٍ اسْتَعْظَمَهُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِن نَفْسِهِ وقَلْبِهِ فَلا يَسْتَطيعُ مِنْهُ فِكاكاً إلا بِشِقِّ الأنْفُس، وربَّ كَبيرٍ رآهُ في عَيْنِهِ أدقَّ من الشَّعْرِ وأصغَرَ من الذرِّ، ولا مَرْجِعَ له في كُلِّ ذلك إلا الذي تَعَوَّد!.

قدْ نُنْكِرُ الفِعْلَ لَمْ تَالَفْهُ عادَتُنَا ... وإنْ عَلِمْناهُ فِي بَعْضِ الْمُباحَاتِ ...

ورُبَّ شَنْعاءَ مِنْ عاداتِنا حُسُنَتْ ... فِي عُرْفِنا وَهْيَ مِنْ أَجْلَى الشّناعاتِ ...

مُقَيَّدِينَ بِها نَمْشِي على حَذَرٍ ... مِنَ العُيُونِ فَنَاتِي بالْمُداجاةِ ...

والحرُّ مَنْ خَرَقَ العَاداتِ مُنْتَهِجاً ... نَهْجَ الصوابِ وإنْ جافَى الجماعاتِ

ولوْ أنَّكَ تأمَّلْتَ ذلك مِنْ حَيثُ الجُمْلَةِ؛ وجَدْتَهُ راجعاً إلى التقليدِ المَذْمُومِ الدي مَنْشَؤُهُ مِن الجَهل، وأما بَواعِثُهُ عِنْدَ التفْصِيلِِ فكثيرَةٌ، والكَلامُ فيها يَحْتاجُ إلى بَسْطٍ طَويل.

واعْلَمْ أنَّنِي لَبِثْتُ عُمُراً طَوِيلاً مِنْ قَبْلِ أنْ أكْتُبَ ما تَراهُ؛ وأنا أرْقُبُ أحْوالَ أُمَّتِنا وما صِرْنا إلَيْهِ؛ أرومُ بِذلكَ الاطِّلاعَ عَلَى عِلَلِ ما أصابَنا مِنَ الأدْواء؛ واقْتَضانِي ذلكَ البَحْثَ والنظَرَ مِنْ جِهَتَيْنِ:

جِهَةِ واقِعِنا الذي نَحْياهُ؛ وحالِنا الذي نَشْهَدُهُ ...

وجِهَةِ تارِيخِنا الذي هُوَ مِرْآتُنا؛ والعُمْقُ الكاشِفُ عَنِ الأبْعادِ الحَقِيقِيَّةِ لِمَشاكِلِنا ومُعْضِلاتِنا ...

وهذانِ عُنْصُرانِ رَئيسانِ فِي فِقْهِ الدينِ بِمَعْناهُ الأَعَمِّ الوارِدِ في أحاديثِ الطائِفَةِ المَنْصُورَةِ؛ لا بالمَعْنَى الذي اصطَلَحَ عَلَيْهِ المُتَأخِّرُونَ مِنْ فُقَهاءِ المَذاهب.

ويَحْتاجُ هذانِ إلى أمْرٍ ثالِثٍ؛ وهُوَ أنْ يَتَجَرَّدَ الناظِرُ عَن التَّحَيُّزِ إلى فِئَةٍ دُونَ فِئَةٍ إلاّ الحَقَّ الذي أمَرَ اللهُ تَعالَى باتِّباعِهِ، ولا بُدَّ لكُلِّ مُصْلِحٍ مِنْ ذلك؛ وإلا ضَيَّعَ كثِيراً مِنَ المَكاسِبِ؛ وصارَ حِمْلاً يُضافُ إلى أَحْمالٍ نَتَكَلَّفُ حَمْلَها؛ ولَمْ نُكَلَّفْ بِها؛ ولا نَحْنُ بِحاجَةٍ إليها أصلاً!!.

رسائل الثغور · الصفحة ٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل الثغورص ٣٢