القاعدة الثالثة
(قال: ومنها: قولهم: " لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة"، فالشارع لم يوجب علينا ما لا نقدر عليه بالكلية وما أوجبه من الواجبات فعجز عنه العبد: سقط عنه، وإذا قدر بعضه، وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما يعجز عنه وأمثلتها كثيرة جداً، وكذلك ما احتاج الخلق إليه لم يحرمه عليهم.
والخبائث التي حرمها الله إذا اضطر إليها العبد: فلا إثم عليه، فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة، والمحظورات العارضة والضرورة تقدر بقدرها، تخفيفاً للشر، فالضرورة تبيح المحرمات في المآكل والمشارب والملابس وغيرها).
هذه القاعدة الثالثة وهي تتكون من جزئين:
الأول: يتعلق بالواجب " لا واجب مع العجز ".
الثاني: يتعلق بالمحرم " لا محرم مع الضرورة ".
أما الأول فدليله قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾، وقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾، وقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾.
وحديث عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " صلي قائماً فإلم تستطع فقاعداً فإلم تستطع فعلى جنب"، وحديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " ومعنى ذلك: أن أوامر الشريعة كلها معلقة بقدرة العبد واستطاعته ولهذا ذكر الأصوليون أن من شروط الفعل المكلف به: أن يكون ممكناً ومقدوراً عليه، لأن المطلوب شرعاً حصول الفعل المأمور به، ولا يمكن حصوله إلا إذا كان ممكن الوقوع، فإذا عجز المكلف عن العبادة كلها سقطت كالعاجز عن الصيام عجزاً مستمراً كالكبير الذي لا يطيقه والمريض مرضاً لا يرجى برؤه، فإنه يفطر ويطعم عن كل يومٍ مسكيناً.
ومن ذلك أن الإنسان إذا عجز عن الوضوء بالماء فإنه ينتقل إلى بدله وهو التيمم، وإذا عجز أن يصلي قائماً فإنه ينتقل إلى الصلاة قاعداً، ومن عجز عن المصافة لكونه لم يجد مكاناً في الصف، صحت صلاته منفرداً خلف الصف.
ومن ذلك: من عجز عن المبيت بمنى أيام التشريق، لكونه لم يجد مكاناً فبات خارج حدودها فلا شيء عليه، لأنه لا واجب مع العجز.