ومعنى هذه القاعدة: أن كل ما يدل على مراد المتعاقدين مما تعارف عليه الناس من لفظ أو فعل أو نحوهما انعقد به العقد وهكذا يقال في الفسوخ، بل تنعقد العقود عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال، ومعلوم أن الألفاظ التي عند العرب ليست هي الألفاظ التي عند غيرهم ويدخل في ذلك ما تعارف الناس عليه من البيع بالمعاطاه من غير إيجاب ولا قبول عند شراء حوائجهم، وهذا كثير في عصرنا هذا.
وما تقدم معلل بأمرين:
الأول: أن الشرع ذكر العقود، وليس لها حد في اللغة أو الشرع، فيرجع إلى العرف.
الثاني: أن العقود ليست عبادات يتقيد الإنسان فيها بما ورد، بل هي معاملات يُرجع فيها إلى ما تعارف الناس عليه، والله أعلم.
(قال: وفعله - صلى الله عليه وسلم - الأصل أن أمته أسوته في الأحكام إلا إذا دل دليل على أنه خاص به).
هذه المسألة تتعلق بأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد سبق الكلام عليها، وذكر هنا أن الأصل التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله من العبادات والمعاملات، لقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة﴾ فيجب العمل بمقتضى هذه الآية حتى يقوم الدليل المانع من التأسي، وهو الدال على الخصوصية، كما في قوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾ فهذه الآية تدل على أن الله تعالى أحلّ لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أن ينكح التي تهب له نفسها بدون مهر، وأما غيره - صلى الله عليه وسلم - فلابد من المهر والولي والشهود.
(قال: وإذا نفى الشارع عبادة أو معاملة: فهو لفسادها، أو نفى بعض ما يلزم فيها: فلا تنفى لنفي بعض مستحباتها).
هذه المسألة تتعلق ببيان حكم ما نفاه الشارع، فإذا نفى الشارع عبادة أو معاملة، فهو إما لفسادها من أصلها، أو لانتفاء بعض ما يلزم فيها من واجبات أو غيرها.
ومثال الأول: (لا صام من صام الأبد)، (لا وصية لوارث).
ومثال الثاني: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا نكاح إلا بولي "، وكل ذلك يدل على الفساد، وذلك لأن النفي قد يكون نفياً للوجود، مثل: لا خالق إلا الله، وقد يكون نفياً للصحة، مثل: لا صلاة إلا بطهور، وقد يكون نفياً للكمال مثل: لا صلاة بحضرة طعام.