تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في سفر فرأى زحاماً، رجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: " ليس من البر الصيام في السفر ". فهذا الحديث عام لعموم البر والصيام، فيدل على انتفاء كل بر عن كل صيام في السفر، لكن لا يؤخذ بعمومه في الأحوال، فيحكم على كل صيام في السفر بأنه ليس من البر، وإنما هو خاص بمن يشبه حال الصحابي الذي قيل الحديث بسببه.

والدليل على ذلك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صام في السفر، حيث لا يشق عليه، وهو لا يفعل ما ليس براً.

الثالثة: أن لا يدل دليل على التعميم ولا على التخصيص.

فالراجح: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب سواء كان السبب سؤالاً أو واقعة، فيجب العمل بعمومه، ومثاله: ما ورد أن قوماً من الصحابة قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر ولو توضأنا بما معنا من الماء عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ".

فصيغة العموم، وهي قوله: " هو الطهور ماؤه " تدل بعمومها على أن ماء البحر مطهر كل أنواع التطهير في حال الضرورة والاختيار، ولا عبرة بورود السؤال عن شيء خاص، وهو الوضوء، ولا بكون السؤال ورد في حال الضرورة، وهو خشية العطش.

الثالثة: أنه يأتي النص الخاص ويراد به العامإذا وجد قرينة تدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ فهذا خاص، لأنه خطاب موجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه يراد به العام، وكقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما﴾ فخصّ التأفيف بالنهي عنه، والمراد النهي عن جميع أنواع الأذى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " جمهور علماء الأمة أن الله إذا أمر نبيه بأمر أو نهاه عن شيء كانت أمته أسوة له في ذلك، ما لم يقم دليل على اختصاصه بذلك ".

ومن الأمثلة أيضاً: قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ فإن الخطاب في هذه الآيات وهي آيات الحجاب – وإن كان لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو عام لجميع نساء الأمة.

الرابعة: أنه يأتي العام ويراد به الخاص بالشرط المذكور، كقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت ... ﴾.

فالناس في هذه الآية عام يراد به خصوص المكلفين، لأن الشرع والعقل يقضيان بخروج الصبيان والمجانين.

وكقوله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ فهنا لفظان عامان يراد بهما خصوص القادرين، كما ذكر ذلك الشافعي رحمه الله وذكر أمثلة أخرى.

شرح رسالة ابن سعدي في الأصول · الصفحة ١٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح رسالة ابن سعدي في الأصولص ١٠٥