حللتم فاصطادوا}، والأصل في الاصطياد أنه مباح ثم بعد ذلك منع منه، ثم بعد ذلك أذن فيه، فهذا يفيد الإباحة، وقول الله: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ فهذا يفيد الإباحة.
الرأي الثاني: ذهب إليه جمع من الأصوليين واختاره ابن كثير وهو ما ذهب إليه المؤلف: أن الأمر بعد الحضر يرجع إلى ما كان عليه قبل الحضر فإن كان مباحاً فهو مباح، وإن كان مستحباً فهو مستحب، وإن كان واجباً فهو واجب.
ومن أمثلة ذلك:
في المباح: الصيد قبل الإحرام كان جائزاً، فمنع للإحرام بقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾، ثم أمر به بعد الإحلال بقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾.
فيُرجع إلى الإباحة.
مثال المستحب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها " وزيارة القبور مستحبة ثم بعد ذلك أمر بزيارتها فيعود الحكم إلى ما كان عليه قبل الحضر وهو الاستحباب.
مثال الواجب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة: " إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي "، فالأمر بالصلاة للوجوب، لأن الصلاة قبل امتناعها بالحيض واجبة وهذا القول هو الصواب.
قوله: (والأمر والنهي يقتضيان الفور).
الأمر هل يقتضي الفورية أو لا؟ هذا موضع خلاف:
الرأي الأول: ما عليه جمهور الأصوليين: أن الأمر يقتضي الفورية، واستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل أمر بالمسارعة إلى الخيرات فمن ذلك: قول الله: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ وقال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾.
ومن السنة: حديث أم سلمة رضي الله عنها في قصة الحديبية لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة أن يحلقوا وأن ينحروا ويحلوا فتباطؤوا، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل ذلك على أن الأمر يقتضي الفورية، وأيضاً: حديث عائشة في حجة الوداع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الصحابة كل من لم يسق الهدي أ، يجعل إحرامه بالحج عمرة فتباطؤوا فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدل ذلك على أن الأمر يقتضي الفورية، ومن حيث اللغة: لو أن السيد أمر رقيقه بأمر فتباطأ فإنه يحسن لومه.