تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كليب لعمري كان أكثر ناصرا

وأيسر جرما منك ضرج بالدم

ألم يكن فيه حينئذ راحة يثلج لها فؤداه؟

وتمثل الجارية تغنيه هذا البيت قبل أن يقتل ذلك المسيء وهو يفكر في ذلك، أكان يتطير منه إذ ذاك؟ وأي أثر يكون له في نفسه حينئذ من سماعه؟ ألا يكون فيه إغراء بقتل ذاك المسيء؟

وتمثل البيتين الآخرين قد غنتهما الجارية - في موقف غير هذا - في موقف غرام مثلا، في ساعة يفكر فيها الأمين في معشوق له - مات ولم ينعم به طويلا - فكيف يكون أثرها في نفسه؟ وكيف يتمثل قولها: «إن التفرق للأحباب بكاء»؟ ولكن تغير الموقف فتغير المعنى.

واعكس الآية؛ فتمثل الأمين - في مكان المأمون - وأنه قد أوشك أن ينتصر على أخيه، وأنه قد سمع الأبيات الأخيرة وهو يحاصر مدينته؟ فأي أثر يتركه في نفسه قولها:

ما اختلف الليل والنهار وما

دارت نجوم السماء في الفلك

إلا لنقل السلطان عن ملك

قد زال سلطانه إلى ملك

وهكذا غير الظروف، وتمثل آثار تلك الأبيات في نفسيهما؛ تجدها مختلفة يصل اختلافها إلى مسافة ما بين الضد والضد أحيانا!

ثم ماذا في هذه الجملة التي غمت الأمين: «قضى الأمر الذي فيه تستفتيان»؟! ألم يكن فيها متأول حسن - لو شاء؟! ألم يسمعها عقب دعاء له بداوم ملكه، وإعزاز سلطانه، وكبت عدوه؟ فإذا قضى هذا الأمر فقد تم له ما أراد!

ولكن إخوان هذا الخليقة - كما يقول أبو العلاء - لا يحملون الأشياء الواردة على الحقيقة!

ومن أجمل ما رووه عن التطير والتفاؤل قول الرسول - عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يسلم منهن أحد؛ الطيرة والظن والحسد.» قيل له: «فما المخرج منهن يا رسول الله؟» قال: «إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ.»

إذا أقررنا ذلك سهل علينا أن ندرك كيف كان أبو العلاء ساخطا ولم يكن متطيرا، أما «ابن الرومي» فربما لم يكن شديد السخط على الحياة، ولكنه كان على - الرغم من ذلك - إماما من أئمة المتطيرين، وفي رسالة الغفران ورسالة ابن القارح ما يزيدك اقتناعا بطيرته، وحسبك أن تعلم أنه كان لا يلبس ثيابه إلا بعد أن يتعوذ، فإذا وصل إلى الباب نظر من خلال ثقب المفتاح، فإذا رأى ذلك الأحدب الذي تعود مضايقته جالسا، جبن فلم يخرج، وخلع ثيابه ثانية، وقد عرف «ابن الرومي» كيف ينتقم منه، ويثأر لنفسه منه، ببيتيه اللذين وسمه بهما آخر الأبد، وهما قوله:

قصرت أخادعه وغاب قذاله

فكأنه متربص أن يصفعا

وكأنما قد ذاق أول صفعة

وأحس ثانية لها فتجمعا

ولابن الرومي - في تطيره - أخبار شتى، منها أن أبا الحسن الأخفش - غلام المبرد - كان كثيرا ما يقرع بابه، فإذا رد عليه ابن الرومي مستفسرا أجابه: «مرة بن حنظلة» فيتطير من ذلك ولا يجسر على الخروج بقية يومه، وقد هجاه في ديوانه مررا هجاء مؤلما مقذعا.

ولما كان هذا المقام لا يحتمل شيئا من الإسهاب في تفصيل هذه النزعات وتحليلها، والمقارنة بينها، فإنا نكتفي بهذا القدر - على إيجازه - ونشير إلى رأي أبي العلاء في مذهب المتطيرين والمتفائلين، وتهكمه اللاذع بأصحابه، وسخريته الشديدة منهم، علاوة على ما ترى في هذا الفصل من حججه

3

الباهرة، وبراهينه القوية التي دلل بها على فساد ذلك المذهب، ثم نتبعها بنخبة مختارة تبين لك نزعة ابن الرومي إلى التطير، وإليك نخبة من كلام أبي العلاء في ذلك، قال:

تروم قياسا للحوادث ضلة

وتلك أصول ليس يجمعها الحصر

تعرض للطير السوانح زاجرا

أما لك من عقل - يكفك - زاجر؟

أغربانك السحم استقلت مع الضحى

سوانح، أم مرت حمائمك الورق؟

لا تفرحن بفال - إن سمعت به -

ولا تطير إذا ما ناعب نعبا

فالخطب أفظع من سراء تأملها

والأمر أيسر من أن تضمر الرعبا

آليت لا يدري بما هو كائن

متفائل بالأمر أو متطير

كالدار صبحها سوى سكانها

فثوا بها وتحمل المتدير

زجر الغراب تطيرا ونقيضه

الوعظ القصصي · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٦٤