تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمذهب آخر يختلف في نظرنا عن مذهب السخط والرضى كل الاختلاف، فقد يكون الإنسان ساخطا أو راضيا ولكنه لا يتطير ولا يتفاءل، وعلى العكس من ذلك، قد يكون من المتطيرين والمتفائلين، ولكنه - في الوقت نفسه - ساخط على الحياة أو راض عنها.

وإنما الطيرة مذهب أساسه ربط الحوادث بغير أسبابها الحقيقية، وتعليل النفس بما لا يفيد، وترقب المناسبات والمصادفات لاستنتاج شيء وهمي لا أساس له من الصحة ولا قيمة له - عند العقلاء - وإنما يدعو إليها - في نظرنا - خفة العقل وعدم اطمئنان القلب. ولعل الإنسان لو رجع إلى نفسه يسائلها في أي ساعها تميل إلى التعلل بأشباه هذه الخرافات؟ لرأى أن ذلك كثيرا ما يحدث في أوقات الهلع والذعر من جراء مصاب فادح مذهل تملك على الإنسان قلبه وأطار لبه وحرمه طمأنينته؛ فجعله كالغريق يتلمس أتفه الأسباب وأقلها غناء لينقذ نفسه من الهلاك. فأما في ساعات اطمئنانه فقلما يأبه لذلك، اللهم إلا إن كان من ذلك النوع الذي أصبح له التطير ديدنا وطبعا، وهذا غير السخط الذي أساسه سوء الظن، وشدة الحذر، والنقمة على الحياة، والنظر إليها من جانبها الأسود!

انظر إلى تطير الأمين - مثلا - حين حاصره «طاهر» ولم نكن سمعنا بتطيره من قبل: قال «إبراهيم بن المهدي» وكان حينئذ مع الأمين: «خرج الأمين - ذات ليلة - يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر له بناحية «الخلد»، ثم أرسل إلي فحضرت عنده، فقال: «ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر في السماء وضوءه في الماء على شاطئ دجلة! فهل لك في الشرب؟» فقلت: «شأنك.» فشرب رطلا وسقاني آخر، ثم غنيته ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: «ما تقول فيمن يضرب عليك؟» فقلت: «ما أحوجني إليه.» فدعا بجارية متقدمة عنده - اسمها «ضعف» - فتطيرت من اسمها ونحن في تلك الحال، فقال لها: غني بشعر الجعدي:

كليب لعمري كان أكثر ناصرا

وأيسر جرما منك ضرج بالدم

فاشتد ذلك عليه وتطير منه، وقال: «غني غير ذلك!» فغنت: “أبكى فراقكم عيني فأرقها

إن التفرق للأحباب بكاء

ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم

حتى تفانوا وريب الدهر عداء

فقال لها: «لعنك الله! أما تعرفين من الغناء غير هذا؟»

فقالت: «ما تغنيت إلا ما ظننت أنك تحبه!» ثم غنت آخر:

أما ورب السكون والحرك

إن المنايا كثيرة الشرك

ما اختلف الليل والنهار وما

دارت نجوم السماء في الفلك

إلا لنقل السلطان عن ملك

قد زال سلطانه إلى ملك

وملك ذي العرش دائم أبدا

ليس بفان ولا بمشترك

فقال لها: «قومي غضب الله عليك ولعنك!»

وكان له قدح من بلور حسن الصنعة، وكان موضوعا بين يديه؛ فعثرت الجارية به فكسرته، فقال: «ويحك يا إبراهيم! أما ترى ما جاءت هذه الجارية، ثم ما كان من كسر القدح؟ والله ما أظن أمري إلا قد قرب!»

فقلت: «يديم الله ملكك ويعز سلطانك ويكبت عدوك.»

فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا: «قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.»

فقال: «يا إبراهيم، أما سمعت ما سمعت؟» قلت «ما سمعت شيئا!» - وكنت قد سمعت - قال: «تسمع حسا!» فدنوت من الشط فلم أر شيئا - ثم عاودنا الحديث فعاد الصوت بمثله، فقام من مجلسه مغتما إلى مجلسه بالمدينة.

قال: «فما مضى إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل.»

2

فانظر إلى هذه الحكاية المحزنة وتأمل قليلا، ألست ترى أن ضعف نفسيهما وحده هو السبب الأكبر في كل هذه الاستنتاجات؟ وتمثل كل ما حدث في تلك الليلة المروعة قد حدث في ليلة أنس وطرب؛ بل في ليلة عادية - إن شئت - أكانا يهتمان به كل هذا الاهتمام؟

وهذا الروع الذي أحسه إبراهيم المهدي - حين سمع اسم الجارية «ضعف» - هل كان يحس مثله إذا تبدل الموقف وكان انتصارا وفوزا؟ أولم تكن الجارية متقدمة عند الأمين؟ فكيف لم يتطير باسمها من قبل هذه المرة؟ وهل تحسبها غنت إلا ما حسبت أن مولاها يحبه؟ وكم غنته - هي أو غيرها - مثل هذه الأبيات فطرب وانتشى؟ ومن يدري فربما كان الأمين يميل إلى هذا النوع من الشعر المشجي، وكان هذا الميل مغريا الجارية على غناء تلك الأبيات؟ وتمثل الأمين عاقب مسيئا بالقتل على جرم فرط منه فخامره شيء من الندم - وإنه لكذلك - إذ غنته هذه الجارية نفسها هذا البيت بعينه؟

الوعظ القصصي · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٦٣