ويسألني الكثيرون من أصدقائي عن أحب الألعاب والحيل التي آتيها، وأنا أجيبهم على ذلك السؤال بأن جميعها حبيب إلي بلا ريب وإلا لما أتيتها، ولكن لعل ما أفرده بأعظم الحب والشغف الشديد هو هروبي من السجون التي يعتقد الناس اعتقادا جازما أن الهرب منها محال.
وقد دعيت منذ بضع سنوات إلى الهروب من الحجرة نمرة 2 الخاصة بالمحكوم عليهم بالإعدام في سجن «فدرال» بواشنطون، وهي الغرفة التي سجن فيها قاتل الرئيس «جارفيلد»، وقد راهنني الضباط على الفرار منها، ولم أجد صعوبة في ذلك، فخرجت منها توا، ولكن عن لي أن أتفكه بإتيان بعض الطرف، فذهبت إلى بقية الغرف الأخرى، وتمكنت من فتحها، ووضعت كل سجين في غرفة الآخر.
وكنت مجردا من ملابسي حتى لا يتبادر إلى ذهن بعض المرتابين أنني أخفي معي بعض العدد والآلات لتساعدني على النجاة، فلما رآني السجناء على هذه الحال حسبوا أن الشيطان أو أحد أقربائه قد حضر إليهم، فارتعدت فرائصهم من الرعب ، ولبوا أمري على الفور، وكم سخرت بهم حين أتى السجانون لرؤية مسجونيهم، وتبادر إلى أذهانهم أنهم هربوا من السجن، ولم تهدأ ثائرتهم إلا بعد أن ذكرت لهم الحقيقة.
وتقابلت مع اسكتلندي في إنجلترا ذات يوم، وقد أفلح في الفوز علي بحيلة لم أفطن لها بعد، وهي تدل على ذكائه ومكره؛ فقد راهنني على أن أخرج من حجرة مغلقة، وحين وضعني فيها قال لي ساخرا: «لا أحسب أنك قادر على الخروج من هذه الغرفة في هذه المرة!» فأجبته أنا أيضا بابتسامة الهازئ الواثق من نفسه، وشرعت في فتح القفل دائبا نحو ساعتين دون أن أصل إلى أية نتيجة مجدية، ولا أحسب أنني في نهايتهما قاربت فتحه أكثر مما كنت عند وقت دخولي الغرفة مباشرة!
ولكني لم أيأس، بل واصلت العمل حتى غلبني الإعياء على أمري أخيرا، فاستندت إلى الباب لأستريح قليلا، وإذا بذلك الاسكتلندي الماكر قد وقف أمامي فجأة وقال إنه لم يغلق الباب بالمفتاح - كما هي العادة - لعلمه أن أول ما أسعى إليه هو محاولة فتح الباب، وقد أصاب الحقيقة، فإنني لو كنت عالجت الباب نفسه - دون أن أهتم بمعالجة القفل - لخرجت في طرفة عين. •••
ولا تتوهمن أيها القارئ العزيز لحظة واحدة أن هذه التجارب والنظريات قد وصلت إلى علمي بسهولة؛ فإنني لم أدركها إلا بعد عناء لا يوصف، ولقد طالما وقفت أمام المرآة لأرى نتيجة ما أتيته من الحركات الخفيفة وأثق من النجاح.
وقد تعاون علي عناء تلك الألعاب وأخطارها، فشيبا رأسي وأصبحت وأنا في السادسة والأربعين أبدو للناظر شيخا قارب الستين!
| هوامش
| الطيرة والتشاؤم بين المعري وابن الرومي1
أبو العلاء متشائم شديد التشاؤم، بل هو من أشد من عرفناهم تشاؤما، ولكنه - مع تشاؤمه الذي لا يقف عند حد - ليس من جماعة المتطيرين، بل هو أبعد من عرفناهم عن التطير.
وإنما نعني بالتشاؤم ذلك المذهب الذي يسميه الإفرنج “Pessimisme”
ونريد أن نسميه بالعربية سخطا، ونسمي أصحابه ساخطين، وهو مذهب جماعة المتبرمين بالعالم، الذين لا يرون فيه إلا شرا مستطيرا لا يستطيعون دفعه، ولا أمل لهم في إزالته أو تحسينه، ولا ينظرون إليه إلا بمنظار شديد السواد، وعلى العكس من ذلك مذهب الرضى ويسميه الإفرنج “Optimisme”
وهو مذهب من يحسنون الظن بالأيام وينظرون إلى العالم بمنظار رائق ناصع البياض؛ فيرون كل ما فيه يدعو إلى الغبطة، ويرونه سائرا في طريق التقدم والكمال، وفي هذا مجلبة رضاهم وارتياحهم. وقد أشبع «ماكس نورداو» جماعة الساخطين سخرية وتعنيفا، ورماهم بنقص في عقولهم في مقاله الذي كتبه عن السخط والرضى “Pessimisme & Optimisme”
في كتابه الفلسفي الذي سماه الغرائب “Paradoxes” .
أما الطيرة “Maauvis Augure”
ونقيضها الفأل، أو التيمن “Bon Augure”