تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرى الحاضرون - قبل شروعي في هذه اللعبة الشاقة - تلك اللعبة الزجاجية الضيقة وهي ملأى بالماء، وفي رجلي ثقل زنته ثلاثمائة وخمسون رطلا، وأنا أنغمس فيها بحيث تكون رجلاي في أعلاها ويداي في أسفلها - كما مر - على مرأى من الناس جميعا، ثم تغلق تلك العلبة الزجاجية التي تحتويني، والخطر الداهم المحقق في هذه اللعبة هو أن هلاكي يتحتم إذا لم أستطع التخلص من تلك القيود والأصفاد وأنجو من هذه العلبة الزجاجية توا؛ وذلك هو السر في إيجاد مساعدي بحيث يقف بجانب الزجاجة دائما حاملا في يده ملطسا حتى إذا غبت دقيقتين دون أن أخرج اضطر إلى تحطيم الزجاجة وإخراجي في الحال.

وإذ يرى الحاضرون هذا المساعد واقفا أمام الزجاجة يتحققون من أن هناك خطرا علي؛ فينصتون إنصاتا، ويرهفون آذانهم إرهافا، ولا يتحركون وكأنما على رءوسهم الطير، ويظلون كذلك حتى يروني أنجو من هذه الزجاجة، ويستغرق ذلك عادة نحو ثلاثين ثانية.

وإنه الخطر المحدق بي هو الذي جعل الجمع يحتشد ويكثر عندما يراني موثقا مغلولا أقفز من القنطرة إلى النهر، وخطر هذه اللعبة أيضا في أن هلاكي محتمل جدا إذا لم تتح لي فرصة النجاة منها، والعودة إلى سطح الماء ثانية وأنا حي.

وأذكر في ذات يوم من أيام الشتاء في بطرسبرج أنني آثرت في نفوس المتفرجين انزعاجا حقيقيا، وسببت لهم جلبا وصياحا ورعبا.

وذلك أنني أغللت وقيدت كما هي العادة، ثم ربطت إلى جذع بالحبال والسلاسل، وألقيت في فرجة كبيرة قطعوها من مياه النهر المتجمد في ذلك الحين لهذا الغرض، ولما أراد البوليس التدخل لم نمهله ريثما يمنعنا، بل أسرعت بإلقاء نفسي في الماء قبل أن يقوم بعمل أي شيء ليحول بيني وبين ذلك، وهنا بدأ الجزء المروع من هذا الفصل؛ فإني بعد أن حللت وثاقي - دون عناء - حاولت الصعود إلى سطح الماء؛ فوجدتني قد أخطأت تلك الفرجة التي ألقوني فيها، ورأيت أن سمك الثلج فوقي يبلغ سبع بوصات، وأيقنت حينئذ أني لا محالة هالك، ولكن إيماني بالنجاة من هذا المأزق طمأنني قليلا، ولم أشأ أن أستسلم للهلاك دون أن أبذل كل ما لدي من القوة في مقاومته، فقربت أنفي من الجليد - بقدر استطاعتي - لأتنسم الهواء، وذكرت أني قرأت عن رجل نجا من مثل هذا المأزق بأن واصل السباحة على شكل دائرة ضيقة تزيد اتساعها شيئا فشيئا في كل مرة عن الأخرى، ففعلت ذلك وانتهيت أخيرا إلى الفرجة التي ألقوني فيها، وظهرت على وجه الماء ثانية بعد أن مكثت تحته ثلاث دقائق.

وكان جسمي كالكتلة من الثلج، لشدة ما احتملته من البرد القارس، ولم أتمكن طبعا من إخفاء ضعفي على المسرح، ولكني لم أعبأ بذلك؛ فقد كنت في شغل عن ذلك بما رأيته من ابتهاج بسلامتي من ذلك الهلاك، وشكرت - كل الشكر - الله على ذلك.

ولا أنسى ما حدث في «ملبورن» بأستراليا؛ فقد كان أغرب وأعجب ما لاقيته في جميع أطوار حياتي، ولقد جاء ستون ألف شخص وراقبوني وأنا أغطس في الماء - في ذلك اليوم - موثقا إلى جذع شجرة، وشخصت إلي كل عين حين ألقيت نفسي في الماء، ولم يلبث الناس أن رأوا على سطح الماء جسما طافيا لا حراك به ولا حياة؛ فتبادر إلى أذهانهم أن ذلك هو جسمي، وقد أخبرني مساعدي بعد ذلك أن انزعاجهم كان شديدا، وأن الرعب والخوف قد وصلا بنفوس الحاضرين إلى حد لا يمكن وصفه. وقد أسرع إلى انتشال هذا الجسم سبعة قوارب، وعلا الصياح والجلبة والصخب، وإذا بي قد ظهرت بغتة على وجه الماء، وليس بيني وبين ذلك الجسم إلا بضع خطوات، ويا لهول ما رأيت! أؤكد للقارئ أن انزعاج الحاضرين حين رأوا ذلك الجسم الهامد الذي حسبوه جسمي هو انزعاج - على ما وصل إليه من الشدة - لا يمكن أن يقاس إلى انزعاجي واضطرابي اللذين وصلا إلى حد أن أفقداني صوابي فيه، ولم تمر علي لحظة، أو لحظتان حتى فقدت الحركة، وكان الحاضرون أيضا يصخبون ويصرخون كما يفعل المجانين، وأسرع إلي رجالي فجذبوني إلى السفينة، وأنا مهما عشت ومرت بي عجائب ومروعات فلن أنسى فداحة ذلك الخطب الذي حدث لي يومئذ.

الوعظ القصصي · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٦١