تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى الأدب الإنجليزي بل إلى عالم الأدب والإنسانية، وهكذا يثبت «أبو شادي» إخلاصه الفني، وجدارة شعره بالعناية والدرس والإجلال.

وصفوة القول أنه ليس بالغنم القليل للأدب العصري أن يظهر فيه شاعر منجب خلاق يتدفق شاعرية ذو عقيدة قوية، وقد شمل شعره السخي المليء بأفانين الجمال وطرف الأدب كل ما وقع تحت بصره، واهتزت له نفسه، وكل ما تاق له وجدانه وتخيلته روحه المتسامية؛ فتغنى بالطبيعة، والفضيلة، وبالخير، والإنسانية العالية كما تغنى بحب بلاده، وبزرعها، وضرعها، وبأزهارها، وشمسها ونيلها السعيد، كل ذلك في بيان عذب، وموسيقية ساحرة، وجدة رائعة لا أثر للتقليد فيها، مع غيرة صادقة على تراث أجداده، وفي مقدمته لغته العزيزة التي يرى في خدمتها المتواصلة وفي التقدم بها إكرامها، حينما يقنع الأدعياء الصاخبون بالوقوف بها، وباقتسام فضلات الموتى!!

فدراسة «أبي شادي» الشاعر تجمع في الواقع بين دراسة شاعرية قوية متأججة وشخصية إنسانية ممتازة، وكلتاهما ثائرة الطبع برغم تفاؤلها، واسعة الأفق، عالمية الروح، وإن انتسبت أصلا إلى هذا الوطن وأخلصت له الحب. (2) الجمال الساحر

14

حسن هذا الخد إن قيس به

كل حسن كان عنه قاصرا

كم شموس قد خبت أضواؤها

حين لاح الخد نورا باهرا

فجمال الوجه الأخلاق وقد

سطعا للناس صبحا سافرا

منطق حلو، وحسن رائع

جمعا هذا الجمال الساحرا

| هوامش

| مذكرات عجائبي1

1

هب نشالا عرف أني أراقبه باهتمام، أليس من المحتمل وقوعه إنه ربما انتهز هذه الفرصة لنشل ما في جيبي من النقود في الحين الذي أنا مشتغل فيه بالاهتمام بمراقبته وعيناي شاخصتان إليه؟ إذا أقررنا ذلك سهل علينا تفهم ما يأتي به العجائبي من المدهشات؛ فإنه يبني على هذه النظرية حيله المدهشة.

تعتقد أنني أحاول خداعك والعبث بك، فتحدق بي عندما تراني أقف على مسرحي كما هي الحال مع النشال حين تراقبه.

والعجائبي جدير أن يتعرف كثيرا من مميزات وخواص الناس الضرورية البسيطة، فإن حيلنا يتحتم فيها الفشل؛ إذا لم نعن بدرسك أيها القارئ عنايتنا بدرس صناعتنا واصطلاحاتنا الفنية.

ولقد يكون مثلا من أكبر عوامل نجاحنا؛ قدرتنا على توجيه نظرك متى وأنى شئنا، فإذا صحت فيك قائلا: «انظر إلي، ها هو ذا الصندوق فارغا لا شيء فيه.» أو قلت: «تأمل ها أنا ذا ليس في أكمامي شيء البتة!»

فإنما أفعل ذلك لتحصر انتباهك فيهما، بينما آتي بحركات خفيفة لا تراها لانشغالك بهما.

ولو أنك اهتممت بمراقبتي ولم تهتم بمراقبتهما مثلا، لتمكنت من إدراك حيلتي وفطنت إليها بسهولة.

ولكن تحويل انتباهك هذه الثواني القليلة عن مراقبتي وقت أن آمرك بذلك فتلبي أمري هو أكبر عون لي على خداعك.

وقد اشتغلت بهذا الفن أكثر من ثلاثين عاما، ولا أذكر أنني استطعت - رغم ذلك - أن أغالب عيني عن التحول عن الجهة التي يأمرني العجائبي بالتحول إليها عندما يصيح قائلا: «انتبه إلى كذا ...»

وذلك تقهقر طبيعي لا يمكن مغالبته، ولنفرض أني أريد الإتيان بحركة خفية فليس يكلفني ذلك عناء كبيرا في الإتيان بها دون أن تفطن إليها.

وذلك أنني إذا أردت نقل ساعة جيب، أو إخراج بيضة من قبعة، فإني أدق برجلي دقة شديدة تسترعي الأنظار؛ فتتحول إلى قدمي، وإذا بدا لي أن مراقبة الحاضرين جدية أشرت إلى مساعدي بالإتيان بحركة فجائية غير عادية لتحويل الأنظار عني قليلا.

وإذا أردت إحضار كرسي، أو طاولة، أو سلة، إلى المسرح دون أن تراها فإني أنتقل إلى الجهة المضادة لها أولا، وقد علمت من التجاريب أن أعين الناس تتبع العجائبي دائما إلا إذا أراد هو أن يحولها عنه إلى جهة أخرى.

كل هذه نظريات سهلة وبسيطة في تحويل الأنظار، وهي - مع ذلك - نافعة ومجدية.

ولكي ندرأ عنا كل شبهة، ونتحامى كل ريبة تحوم حول مساعدينا نجعلهم يتظاهرون بأقصى ما يمكن أن يتظاهروا به من العته والبلاهة، فيسقطون الأشياء من أيديهم، ويتعثرون بالكراسي، ويخطئون - عن عمد - حتى في أبسط الأشياء العادية المعروفة بالبداهة، متظاهرين بأن ذلك إنما يحدث عفوا؛ لأننا نود أن تكون لديك عقيدة ثابتة، وفكرة لا تتزعزع عن جهل أولئك المساعدين، والاعتقاد بأنهم عاجزون عن تقديم أية مساعدة لنا على إنجاز حيلنا، بينما هم في - الحقيقة - أكبر عون لنا على إتمام عملنا.

الوعظ القصصي · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٥٨