تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد جلست مرة إلى جانب سيدة من السيدات فرأيتها تظهر أشد الغرابة والدهشة من بلاهة أحد المساعدين وجهله، وأنا معتقد أنه أنشط وأمهر من عرفت في أداء عمله بدقة وإحكام، وقد رأيته ينجز تسعة أعشار العمل حينما عمل الساحر لم يذكر بجانبه؛ لأن الأنظار متجهة إلى الثاني غافلة عن الأول.

ولقد أتقن المساعد تمثيل دوره حتى لم تتمالك السيدة نفسها من أن تقول: «عجيب! - كيف! - ألم يجد هذا العجائبي أحدا يستخدمه غير هذا الغبي الأبله؟! لشد ما يدهشني أن يبقي العجائبي معه مثل هذا المعتوه!» ولقد هممت بأن أجيبها أن العجائبي بدون هذا المساعد الأبله لا قيمة له.

وكل إخواننا السحرة يعرفون أن الناس لا يهتمون بتحويل أعينهم كثيرا عن المستوى الذي ينظرون إليه، ولذلك السبب يستعملون موائد مصنوعة بطريقة بعينها لتلائم أغراضهم ومقاصدهم، بحيث تكون مرتفعة قليلا عن مستوى الأنظار، فبينما تحسب نفسك ترى كل ما فوقها إذا بك واهم مخدوع.

وإذا شئت رؤية ما فوقها فارفع بصرك قليلا، والأمر الذي يجعلك تغفل هذا أنه يتطلب بعض الجهد.

وليس العجائبي وحده هو الذي انفرد بمعرفة ما للعين الإنسانية من مميزات وخواص، بل يشاركه في ذلك أصحاب الحوانيت والتجار؛ فإنهم يعلمون بأن اللوحات التي عليها الأثمان إذا ارتفعت قليلا عن مستوى النظر؛ فإنها لا ترى، ولهذا تجدهم يضعونها مائلة منحدرة قليلة بحيث تستطيع رؤيتها.

ومن مميزات العين التي قلما يفطن إليها الناس أنها تتطلع إلى الجهة اليمنى أكثر مما تتطلع إلى الجهة اليسرى. وينتفع زملائنا بهذه المميزات كثيرا؛ إذ يجعلون أهم ألعابهم وأصعبها في الجهة اليسرى من المسرح بدلا من الجهة اليمنى، وبهذه الطريقة يكون من الصعب عليك أن تكشف حيلتنا.

ولو أني كنت تاجرا، أو صاحب حانوت، لوضعت كل ما يستدعي النظر وتسر العين رؤيته على الجهة اليمنى للداخل؛ بحيث تغريه برؤيتها عندما يقع نظره عليها.

ويسألني الكثيرون لماذا يهتم السحرة بالاستكثار من ضوء المسرح، وبذل همتهم في الحصول على أكبر كمية يمكنهم الحصول عليها من الضوء بحيث يصبح المسرح شديد الضوء، ويحسب أولئك المستفسرون أن ضوء المسرح كلما قل ضوءه أصبح أكثر ملاءمة لنا، وقد أوضحت لهم أن كثرة الضوء لا تقتصر فائدتها على إبطال زعم الناس أنهم عاجزون عن رؤية ما في المسرح بوضوح بسبب قلة الضوء، بل تتخطى ذلك إلى مساعدتنا على بهر أنظارهم وإغشائها.

ولعل الكثيرون من الناس يدركون فيما أظن أن تمتمتنا هي خير عون لنا على خداعهم، فإننا نكلمك أثناء القيام بالحيلة لا لأن لدينا أمرا مهما نريد أن نلقي به إليك، بل لأننا نريد أن نشغل أذنيك بينما نتمم حيلتنا.

ولولا ذلك لحصرت كل انتباهك وقواك في حاسة البصر، ففطنت إلى حيلتنا، ولكن أقوالنا تقسم انتباهك، وتضطرك إلى الإصغاء والنظر في آن واحد، فتتقاسم قواك حاستان لا حاسة واحدة.

وقد دلتني تجاربي على أنه أسهل على الإنسان أن يخدع النظر من أن يخدع الأذن؛ فإن أكثر الناس يستطيعون أن يضبطوا حاسة النظر كما يريدون.

ومن الغريب المدهش في الأفراد أننا نجد من السهل علينا جدا أن نخدع المتعلمين ونرى خداعهم أيسر من خداع العامة، ويرجع ذلك إلى تعمق العالم في نظرياته العلمية التي درسها لاستنباط فكرة غريبة يعلل بها غرابة ما رآه، أما الفرد العادي فإنه لجهله النظريات العلمية تجده يفكر دائما تفكيرا عاديا بسيطا، وقد يهتدي بذلك إلى الحقيقة.

ولهذا السبب عينه نتحاشى ونجبن عن اللعب أمام الأطفال؛ لأن عقل الطفل يتشكك بمجرد رؤيته شيئا لا يفهمه فيصعب علينا خداعه.

وبهذه المناسبة أذكر ما حدث لي مع المستر «روزفلت»، فقد كنا عائدين معا من لندن على باخرة واحدة، ولم يكن قد أعلن من قبل عزمه على السفر، ولا عن اسم السفينة التي أزمع أن تقله، ولكني حين ذهبت لابتياع تذكرة أخبرني الكاتب أن المستر «روزفلت» مرافقي في هذه السياحة؛ فسرني ذلك بالطبع، وعلمت أنهم بلا شك سيدعونني لإظهار بعض مدهشاتي أمامه، فعزمت في هذه المرة على إبداء شيء طريف لهذا السيد.

الوعظ القصصي · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٥٩