تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبينما يروج غير واحد من أعلام أدبائنا للدعاية ضد المرأة، على اعتبار أنها نوع من الشر الضروري؛ يعدها أبو شادي ينبوع السعادة، ويضعها في أرفع منزلة لم تنلها من شاعر عربي من قبل، بل ولا من أحد من معاصريه، وتدور حولها - على الحقيقة - عبرته «الآلهة» في رمزي الجمال والحب، وبدافع سحرها نظم قصيدته البديعة «الينبوع» مستوحيا - كما شاءت عواطفه الحارة وخياله الشعري - الصورة الفنية

8

التي رسمها النقاش الشهير إنجرز “ingrss” .

وقد تنوقلت هذه القصيدة وكثر الاقتباس منها؛ لجمال موسيقيتها ومعانيها، ولم يفت شوقي بك روحها وأخص معانيها حين نظم قصيدته اللامية «بمصرع كليوباترا». ولا جدال في أن نظرة أبي شادي إلى المرأة هي نظرة أفلاطونية روحية بريئة، ويتبع ذلك شعره الغزلي - وكله عفيف - ونظمه الغنائي الكثير، ولن تجد في شعره الغزلي - كيفما كان الموقف أو الموضوع أو المناسبة - شيئا ينبو عنه الذوق المهذب، أو تستحي منه الفتاة، وكما أنه بطبيعته مبتكر في المعنى والخيال والموضوع، فهو كذلك شديد النزوع إلى الابتكار في المبنى؛ مثال ذلك: قصيدته الطريفة «المثال»

9

وهي تحفة من حسنات الشعر العصري الذي ما نزال نغفل دراسته في معاهدنا بكل أسف - ولا أستثني من ذلك الجامعة المصرية - منقطعين لعبادة القدماء والتغني بآثارهم، وفي هذه القصيدة ما يروعك، ويفتنك من الوصف الدقيق المشوق والنغم الشجي، في حين أن كل عقباه قبلة أفلاطونية و«شعر يطيب كوقع المثاني»!!

ولا عجب في ذلك حينما تدرك نزعة «الإيديالزم» المتسلطة عليه دائما، الموحية إليه بأن يقول:

مذهبي في جلالة الحسن أن لا

يغتدي نعمة تحب لتفسد

أكثر الحسن ما يصان ليشقى

إنما الحسن ما يصان ليعبد!

ويطول بنا الحديث إذا تكلمت عن شعره الوصفي واستنطاقه للحياة والجماد، بل لعالم رؤياه كله، فنكتفي بالإشارة إلى قصيدته «الرقيبان الصامتان»

10

وإلى قصيدة المتأملة،

11

وكلتاهما من شعر التصوير الذي أخصب به الأدب العصري، كما ابتدع له فنونا من الشعر المرسل، ومن الشعر الحر، وتصرف تصرفا حكيما في أساليبه البيانية الجديدة وفي مناهجه اللغوية لفظا وأسلوبا، ولا تحسبنا في حاجة إلى الإشارة إلى شعره التاريخي، وإلى نظمه القصصي الموفق، فنماذجه كثيرة مشهورة، وقد جاءت برهانا كافيا على طواعية اللغة العربية ومواتاتها لمن يعرف أسرارها، ويتضلع منها، وتكون له شاعرية مطبوعة، وثقافة تزجيه إلى التعبير والابتكار، وشاعرنا - بطبيعة تكوينه العصبي وفرط حسيته وعواطفه - شاعر أصيل يرث الشاعرية أو الاستعداد الفني عن والده الخطيب المفوه، والكاتب الشاعر الكبير محمد أبي شادي بك من ناحية، وعن والدته الأديبة الشاعرة الرقيقة السيدة أمينة نجيب، وعن خاله المؤرخ القدير، والشاعر الناثر المتفنن مصطفى نجيب بك من ناحية أخرى. وهو برغم هذا التراث الأدبي تراه غير راض عن نفسه، ولا يعني بالشعر الذاتي البحت إلا في مواقف الدفاع أمام تهجم الجامدين أو حسد المنافسين، إذا ما استحالت نزواتهم إلى تحامل مرذول، ولعل من الخير للأدب هذا الشعور المتأصل فيه؛ لأنه يدفعه إلى الإنتاج المتواصل طلبا للكمال الفني، على العكس من القانعين الكسالى الفخورين بآثارهم الضئيلة؛ لأنهم لا يخدمون الأدب ولا يصلحون من ملكتهم بتكرارهم إنشاد شعرهم القديم في زهو وغرور، ومن أحسن ما نختاره من شعره الذاتي “Subjective poetry”

قصيدته في الدفاع عن نفسه أمام خصومه المتحاملين وحاسديه، وعنوانها «جوابي».

12

وهذه القصيدة - التي ينظمها شاعر رومانطيقي - هي في جملتها كلاسيكية الصورة

13

وهذا الذي يجيب خصومه بهذا الجواب المفحم لا يتردد عند الموازنة في الاعتراف بحسناتهم كأنما هي جزء من نفسه ما دامت قد نالت استحسانه، ويرفض فكرة الحفاوة به في «جمعية المصباح الخافت» قائلا: إنه لا يستحق مثل هذه الحفاوة ولا التعريف به للأدباء الغربيين وهو لم يسد بعد للأدب العربي ما أسداه مثل توماس هاردي بتأليفه «العواهل» (Ihe Dynasts)

الوعظ القصصي · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٥٧