3
وهو بهذا الشعور متصوف، وتتجلى روحه الصوفية - على أقوى ما تكون- في مناجاته الطبيعة بأناشيده التي تراها، وإن اختلفت أنغامها ومعانيها متجهة إلى قبلة واحدة.
وهو، وإن لم يغمط الشاعر الذاتي البحت، ولا الشاعر الموضوعي الصرف حقه بالنسبة إلى مدى قوته في الشاعرية، إلا أنه ينظر إلى المثل الأعلى من الشعر نظر المؤمن إلى رسالة قدسية، فهو لا يعتبره شعورا عميقا، وخيالا ساميا، وعاطفة حارة، وتعبيرا فنيا فقط، بل يراه - مع كل هذا - نشيدا لوحي سماوي يصعد بالإنسانية من حضيض البهيمية ويبوئها مكانتها الروحية الجديرة بها.
فإذا شئت أن تعرف روح هذا الشاعر ولبه فحسبك عبرته «إخناتون» - وهو أول من ألف رواية عنه وحاول إنصافه في أدبنا العربي، وتابعه شوقي بك في محاولته إنصاف كليوباترة، وإن كان الفرق بين الشخصيتين شاسعا.
وفي ديوانه «الشفق الباكي» - فضلا عن دواوينه السابقة - نماذج شتى لما يوصف بشعره الإنساني العالمي، وكذلك ترى في ديوانه الأخير «وحي العام»
4
بجزءيه لسنتي 1928 و1929م، وفي ملحمته الشعرية الفلسفية المشهورة «شوبنهاور والحياة» تعابير شتى من عقيدته هذه ومن تصوفه القوي، وإذا رجعت إلى شعره القديم وجدت نفس هذه الروح الإنسانية متمشية معه في نموه الفكري الوجداني منذ نيف وعشرين عاما. •••
وأنت - إذ تقرأ شعره القومي السياسي - لا تقرأ شعرا ديمقراطيا مثلما تقرأ شعرا إنسانيا في روحه، ولا غرابة في ذلك ما دامت هذه هي النزعة الغالبة على الشاعر في جميع أدوار حياته وفي كل نواحي عيشته، مما يدل عليها تعلقه بمظاهر التعاون الأمي الفكري، واشتراكه فيما يستطيع الاشتراك فيه منها.
ولشعره القومي - إلى جانب إنسانيته - صبغة ديمقراطية سليمة تجدها في حدبه على الفلاحين، ألا ترى ذلك في قصيدته «كوخ الريف»؟
5
ثم ألا تراه أبلغ محبب حياة الريف للمصري في مثل قصيدته «في حضن الريف»
6
التي هي مثال لشعره القومي الكثير؟
فأنت ترى - في هذه القصيدة - صورا من العواطف الحارة الجامعة بين حب الوطن وحب الطبيعة والتفنن في وصفها - وقلما تجد له قصيدة وجدانية لا تجمع بين فنون شتى من الشعر تمتزج امتزاجا بنفسه المستوعبة لشتى الأطياف والألوان والأنغام.
وما دمنا قد أشرنا إلى شعره القومي - وطائفة صالحة منه موزعة بين دواوينه «مصريات» و«أنين ورنين» و«الشفق الباكي» و«وحي العام»؛ دع عنك مؤلفاته الشعرية الأخرى مثل «نكبة نافارين» و«مفخرة رشيد» ... إلخ - فحري بنا أن نشير إلى قصيدته الوطنية الممتازة: «الفلاحة»
7
دون أن ننسى أنه صاحب البيت المشهور:
والشعب إن يغفل حقوق صغيره
صار الكبير به الصغير الضائعا!
ولما كانت للشاعر جولات شتى في فنون الشعر المتعددة فإني أكتفي بالإشارة إلى أهمها، أو على الأصح إلى ما يحضرني منها؛ فهو قد أعاد لنا الروح الفلسفي في الشعر، وبرهن - أيما برهان - على أن الشعر العالي يعتز بذلك، وأن الفلسفة لا تضر الشعر بل تخدمه وتغذيه، وليس الذنب عائدا إليها إذا أدخلها بعض الأغرار في الشعر فأفسده بها، فإنما الذنب ذنب من يتناولها بغير بصيرة، ومن يخرجها به تقليدا، لا عن شعور وإيمان صادق، وقد رأينا أبا العلاء والمتنبي مثلا يمزجان الشعر بالفلسفة؛ فيبلغان ذروة الإجادة، ويضيء شعرهما بأسمى معاني الفلسفة. وشواهد «أبي شادي» في هذا الباب تكاد لا تحصى، وهو يرى أن النظرة الشعرية تستطيع أن تستوعب الفلسفة والعلم، بل وجديرة بأن تستوعب كل شيء، والعبرة باندماج الشاعر في موضوعه بدل أن يكون صانعا وصافا غريبا عنه، ولعل هذا هو السر في إكباب أبي شادي على عمله العلمي بشغف كأنما هو ينظم شعرا جميلا، وله في «المكرسكوب» - المجهر - قصيدة فلسفية وجدانية فريدة في بابها.
الينبوع