تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنا لنسجل على أنفسنا التقصير والعقوق إذا لم نشد بعبقرية شاعر فذ وأديب متفنن ألمعي، لا لذنب إلا لأنه من معاصرينا، تاركين لأعقابنا الاعتراف له بحسناته في الوقت الذي لا ينفع أدبنا العصري هذا الاعتراف بعد أن عققنا أدبه وتغاضينا عن حسناته.

وإذا كان أدباؤنا الممتازون الذين حرموا نفوسهم كل لذات الحياة ومبهجاتها - في سبيل إنهاض الأدب، وخدمة اللغة والعلم والفن جميعا - لا يجدون منا كلمة إنصاف، ولا يرون إلا جحودا ونكرانا للجميل، فما أجدرنا حينئذ بلقب غير هذا اللقب السامي - لقب الأديب - الذي يرى أول واجباته انتصار الأديب للأديب «وفرحة الأديب بالأديب!»، ويدين بقول أبي تمام:

أو نختلف يوما يؤلف بيننا

أدب أقمناه مقام الوالد

وإني لأكون ساخرا بنفسي وبالقراء معا إذا حسبت أن إلمامة موجزة كهذه تكفي لتحليل أبي شادي، والتنويه بفضله على العربية وعلى الأدب وعلى العلم وعلى الفن، وقد أبلى في كل هذه جميعا بلاء حسنا، وكان الرائد الجريء، وهذا ما يعترف له به النقاد قبل مريديه، وما ظنك برجل أيسر إنتاجه أكبر وأجدى مما أنتجه أي فرد من خصومه الزارين عليه المتظاهرين بتحقير جهده الفذ؟! ما بالك برجل يكون أيسر تآليفه عدة أوبرات يختط بها - في الشعر العربي - طريقا واضحة ميسرة معبدة غير ملتوية ولا معوجة مما أكبره أعلام المستشرقين؟!

ولو استطاع أحد خصومه أن ينظم واحدة من هذه الأوبرات العديدة - «كإحسان» و«الآلهة» و«أردشير» و«الزباء» و«بنت الصحراء» و«إخناتون» - لكانت بيضة الديك، ولملأ الدنيا بها فخرا ومباهاة!

ثم يكون من آثاره تآليفه القيمة في علم النحالة (apiculture)

التي خدم بها اللغة والعلم والاقتصاد الزراعي معا، واشتهرت عالميا، وكتاب «الطبيب والمعمل » - في زهاء ألف صفحة - يطوع فيه الألفاظ العربية تطويعا لم يسبقه إليه غيره من أساطين فن الطب إلى الآن:

ردت لطافته وحدة ذهنه

وحش اللغات أوانسا بخطابه

والنحل يجني المر من نور الربى

فيصير شهدا في طريق رضابه

ثم يكون من آثاره ترجمته القوية الرائعة لشكسبير، وديوانه «الشفق الباكي» في أكثر من ألف صفحة جياشة بشتى العواطف والإحساسات، حافلة بالدراسات الأدبية القيمة، ونراه يثبت في كتبه آراء خصومه كما يثبت آراء المعجبين به على السواء، ويدعو إلى النقد الحر المستقل ويحترمه شاكرا، وهي خلة لم نكد نراها في سواه من أدباء هذا العصر الذين يحقدون على كل من خالف لهم رأيا، أو أظهر فيهم عيبا واحدا!!!

2

تلك بعض حسنات أبي شادي الذي يمثل لنا أدب الثقافة العالية والحياة القوية، كما يمثل لنا روح العلم وحب البحث والاستقصاء، نسجلها بإيجاز حقائق ناطقة لا مجال للإسراف والغلو فيها، وهي حسنات يذكرها له الأدب وتاريخ اللغة وتاريخ النهضة العلمية معا، ولقد كنا نحسب من المغالاة ما روي لنا عن أن الشعر كان أيسر أدوات ابن الرومي حتى رأينا إنتاج أبي شادي المتنوع علما وأدبا، واختبرنا تفننه في ذلك؛ فآمنا بصدق تلك الرواية، واتخذنا من عبقرية أبي شادي المتعددة النواحي قرينة أو برهانا على صحة نظيرتها عند ابن الرومي.

صورة فنية كاريكاتورية بديعة من رسم الاستاذ «فريدون» تمثل مناحى عبقرية «أبي شادي» الأدبية العلمية. (1) شعره ورأيه في الشعر والشاعر

يرى «أبو شادي» أنه لا بد للشاعر المتعالي من رسالة سامية يؤديها، وأنه لا كمال للشعر في أن يكون ذاتيا “subjective”

فقط، ولا في أن يكون موضوعيا “objective”

فحسب، بل إن أكمل ما جمع بين الصورتين، وما توج برسالة فنية عالية للحياة والأحياء، والرسالة التي تزجيه نفسه وشاعريته إلى بثها هي رسالة التفاؤل الإنساني والاندماج الفلسفي في النوع اندماجا يجعله يحس حقيقة بأنه خالد في نوعه، وأن الفرد - أو الحياة المحدودة - يضحي في سبيل تجميل النوع - أو الحياة المستمرة - فهو يرضى قريرا بهذه التضحية في سبيل ما تنزع إليه الحياة من جمال وكمال،

الوعظ القصصي · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٥٥