تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل ما وصلت إليه من الحقائق؛ هو أنني - وغيري - جاهلون جهلا لا شك فيه بتخير الطعام الذي ننصح لك بتناوله بأكله. •••

أذكر لك حكاية صديق آخر، لا عمل له إلا الاشتغال بتحليل الأطعمة ووصف ما يصلح للمرضى منها وما لا يصح، فقد أصابه ذات يوم مرض، فذهب إلى الطبيب العلامة «هوبكنز»، فماذا قال له الطبيب؟ قال له: «إن كل أعضائك سليمة، وليس عليك - إذا شئت الشفاء - إلا أن تقلل من أكلك، أو تكثر من النزهة، فإنك إن فعلت واحدا من هذين نجوت وسلمت!»

وقد اتبع نصيحة الطبيب، واستفاد منها كثيرا، وأصبحت صحته على أتم ما يرام.

فإذا كان المشتغلون بكيمياء الطعام وتحليله، ووصف ما ينفع الناس منه وما لا ينفع، عاجزون عن اختيار ما يلائمهم منه، فإن غيرهم من الناس أعجز! •••

وموجز القول: أن في كل نوع من الأغذية مزايا وأضرارا، وأن الأطعمة المختلفة يتمم بعضها بعضا؛ فإن في كل طعام من المزايا ما ليس في الآخر، وأن تعود الجسم على تناول أطعمة بعينها يكسبه مرانة على هضمها، فإذا تركها فجأة وعدل عنها إلى نوع آخر من الطعام - لم يألفه - أضر به ذلك العدول، وإن أكثر الأطباء لا يعنون بتحري الدقة في أقوالهم إذا تكلموا عن الغذاء، وأنهم لو أرادوا الدقة لما وصفوا أي نوع من الأغذية، فإن اللبن وهو أصلح الأطعمة - في زعمهم - ناقص يحتاج إلى ما يكمله، وقس على ذلك غيره مما لا يتسع المقام للإفاضة في شرحه، ولقد كان الموز يعتبر - منذ زمن قريب - أخطر نوع من الغذاء للأطفال.

وكانت الأم إذا رأت طفلها يأكله مرة حسبته هالكا لا محالة، وها هو قد تغير الزمن ودار دورته فأصبح المختصون يوصون الناس بتغذية أطفالهم به، ويقررون لهم أنه أصلح غذاء صحي لصغارهم.

ولعلنا نسمع في الغد نظريات جديدة تنقض كل ما يقررونه اليوم!

| الشعراء المعاصرون: أبو شادي1

«وإن صديقي - إن رأى الحق شرعتي - فليس يحابيني، ولا ينثني عني»

أبو شادي

لعل خير ما أفتتح به هذا الفصل هو قول صديقي الأستاذ الأديب الفنان سيد أفندي إبراهيم من مقال له:

وإذا كان للعدو أن يكتب عن عدوه وأن ينصفه - ما دام من طبعه الإنصاف - فلا ضير أن يكتب الصديق عن صديقه وأن ينصفه ما دام من طبعه الإنصاف.

هذه كلمة حق يجب أن أسجلها لصديقي سيد، وأن أستشهد بها حين أكتب عن صديقي أبي شادي، فسيقول بعض المتسكعين الفارغي القلب كعهدنا بهم: «صديق يقرظ صديقه ويجامله!»

ولا، وحرمة الحق والإنصاف، إن هو إلا صديق يسجل حسنات صديقه مغتبطا بتسجيلها له، وما أدري أية غضاضة في ذلك؟!

وإذا كان الصديق لا ينصف صديقه - بعد أن رآه أهلا للإنصاف - فمن ينصفه؟!

أينصفه عدوه الذي يرى كل حسنة من حسناته، ومفخرة من مفاخره سيئة يلومه عليها، وجريمة يندد بها؟! أينصفه حاسده وهو يرى في نجاحه أكبر نكبة تحيق به وتضيع آماله، ولا يرضى عنه إلا إذا تساوى معه في العجز والفشل؟!

إن العيب الذي يؤخذ على الصديق هو أن يغفل عن تنبيه صديقه إلى مواطن الضعف والزلل، وهو جدير - إذ يفعل ذلك - بأن يسجل له مغتبطا المزايا الباهرة التي يراها فيه، وإنما يعاب على الصديق أن تغطي الصداقة على عيوب صديقه فلا يراها، وهو جدير أن يكون لصديقه مرآة صافية تريه محاسنه وعيوبه - على السواء - «فإن المرء لا يرى عيب نفسه» كما يقولون. بقيت ثمة ملاحظة لا أرى بدا من الإفضاء بها إلى القارئ؛ وهي أن الصداقة التي تجر إلى الإعجاب غير الإعجاب الذي يجر إلى الصداقة، وأنا ممن يعجبون بالرجل أولا ثم يصاحبونه؛ فإعجابي بمزاياه الباهرة هو أساس صداقتي معه وليست صداقتي معه هي أساس إعجابي به، فإذا سجلت لصديقي شيئا من ميزاته فإنما أسجل رأيي فيه الذي ارتأيته قبل أن أتخذه لي صديقا وصاحبا وأخا، ثم لم أتحول عن هذا الرأي بعد مصاحبته. وهذه كلمة لا بد من الإفضاء بها إلى من يخلطون بين واجبات الصداقة وواجبات النقد الأدبي النزيه الذي يحترم الأصول الفنية.

الوعظ القصصي · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٥٤