تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن الكسائي طالما اشترى بالمال ألسنا وذمما!

ألا ترى إلى الأخفش يذهب إلى الكسائي غاضبا - بعد أن أخبره سيبويه بما حدث له معه - فيسأل الكسائي وهو بين تلاميذه ويخطئه في كل جواب يقوله، فيهم تلاميذ الكسائي بضربه فيمنعهم من ذلك - خوفا من ذيوع أمره - ويقبل عليه فيعانقه متحببا إليه، ويعهد إليه بتعليم أولاده، ويرشوه بالمال فينسيه بذلك ثأر صديقه سيبويه؟

ولقد كان من بين تلاميذ الكسائي من هو أعلم منه وأجدر بالزعامة - كالفراء مثلا - وما كان مثل الفراء ليقبل أن يكون تلميذا للكسائي لولا طمعه في جاهه وماله، وأمله في أن يتصل بالخليفة - بفضل صحبته له - وقد تم له ما أراد بعد ذلك. •••

وربما استشهد لنا أحد الأدباء الناقدين بقول الفراء نفسه للتدليل على فضل الكسائي: قال لي رجل: «ما اختلافك إلى الكسائي وأنت مثله في النحو؟»

فأعجبتني نفسي، فأتيته فناظرته مناظرة الأكفاء، فكأنني كنت طائرا يغرف بمنقاره من البحر.

فإن أمثال هذه المدائح يجب أن تفهم على وجهها الصحيح؛ فهي نوع من تملق ذوي النفوذ طمعا في جاههم وتقربا إليهم!

ألا ترى إلى ابن الرومي نفسه - وهو الشاعر الفحل - يلجئه العوز والفاقة ونكد الدنيا إلى امتداح بيت سخيف لابن المعتز، حين سألوه: «لم لم تشبه مثل تشبيه ابن المعتز في قوله:

وبدا الهلال كزورق من فضة

قد أثقلته حمولة من عنبر

فتظاهر لهم بإكبار معنى هذا البيت التافه، وإعجابه بما فيه من تشبيه متكلف وعجزه عن محاكاته - تملقا لقائله - لرفعته وسمو منزلته؟

لقد سئل الفراء نفسه عن الكسائي بعد موته فقال: «مات الكسائي وهو لا يحسن حد نعم وبئس وأن المفتوحة».

12

ولا نظننا متحاملين على الكسائي حين نثبت هنا ما يرويه بعض المؤرخين عنه من أنه كان متهتكا فاجرا، ونحن نروي ذلك بشيء من التحفظ فلا نصححه ولا ننفيه، فلعله من دسائس البصريين، على أننا لا نستبعده، فليس اتصاله بالخليفة وتعهده أبنائه بالتربية مما يعصمه من اقتراف الدنايا والآثام ولو سرا.

وقد تعلم الكسائي - وهو كبير - وانصرف سيبويه إلى العلم منذ حداثة نشأته، وأعجب الخليل بن أحمد بذكائه وكان يرحب به،

13

وقد شهد له أكبر علماء النحو بالتفوق والفضل، وقد استعان بكتابه خصومه أنفسهم، فقرأ الكسائي على الأخفش كتاب سيبويه، وأعطاه سبعين دينارا - أجرا على ذلك - وقد وجد بعضه تحت وسادة الفراء التي كان يجلس عليها، كما قال النحاس. (2) رأي النحاة في هذه المسألة

قالوا: «وأما سؤال الكسائي فجوابه ما قال سيبويه، وهو «فإذا هو هي.» هذا هو وجه الكلام مثل: «فإذا هي بيضاء»، «فإذا هي حية». وأما «فإذا هو إياها» - إن ثبت - فخارج عن القياس واستعمال الفصحاء، ولا يعتد به، كالجزم بلن، والنصب بلم، والجر بلعل. وسيبويه وأصحابه لا يلتفتون لمثل ذلك، وإن تكلم به بعض العرب.» •••

وقد لخص «حازم القرطاجني»

14

هذه المناظرة في منظومته الجميلة في النحو التي يقول فيها:

والعرب قد تحذف الأخبار بعد «إذا»

إذا عنت فجأة الأمر الذي دهما

وربما نصبوا بالحال بعد «إذا»

وربما رفعوا من بعدها ربما

فإن توالى ضميران اكتسى بهما

وجه الحقيقة من إشكاله غمما

لذاك أعييت - على الأفهام - مسألة

أهدت إلى سيبويه الحتف والغمما

قد كانت العقرب العوجاء أحسبها

قدما أشد من الزنبور وقع حما

وفي الجواب عليها هل «إذا هو هي»

أو هل «إذا هو إياها» قد اختصما

وخطأ ابن زياد

15

وابن صخرة

16

في

ما قال فيها أبا بشر

17

وقد ظلما

إلى أن يقول:

وليس يخلو امرؤ من حاسد أضم

لولا التنافس في الدنيا لما أضما

والغبن - في العلم - أشجى محنة علمت

وأبرح الناس شجوا عالم هضما •••

وقد حدث لأبي عثمان المازني ما حدث لسيبويه، قال: «دخلت بغداد فألقيت علي مسائل، فكنت أجيب فيها على مذهبي، ويخطئونني على مذاهبهم.»

الوعظ القصصي · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٤٧