قالوا: «وهكذا اتفق لسيبويه.»
وجماع القول أن سيبويه هزم رغم فضله وعلمه وكونه في جانب الحق، ولم يكن له بد من السكوت والرضى بالهزيمة في هذا المجلس الحاشد. •••
ومثل لنفسك أيها القارئ مجلسا حافلا بأعيان الدولة، وقادة الرأي فيها، يجمع مثلا على أن «لم» تنصب ولا تجزم، وأنت وحدك تقول «إنها تجزم ولا تنصب، وإن العرب لا تعرف غير ذلك.» وهم لا يسمعون لك قولا، فأية حجة تستطيع أن تدلي بها في مثل هذا المجلس المتحامل الذي ينكر عليك ما لا سبيل إلى إنكاره؟
كذلك كان موقف سيبويه يقرر قاعدة أجمع علماء النحو على أن خلافها شاذ لا يؤخذ به، فلا يقبل منه قول.
ولقد كان في لسان سيبويه حبسة - كما يقولون - ولكنها لم تكن السر في هزيمته
18
فهو لم يقصر في الكلام، ولم يكن ذلك المجلس المتحامل عليه في حاجة إلى خطيب لسن، بل كان في حاجة إلى آذان واعية وقلوب لم يفسدها الهوى والغرض.
وهكذا تمت الهزيمة، فذهب «سيبويه» إلى فارس، ولم تطل مدته بعد ذلك.
قالوا: ولما اعتل سيبويه وضع رأسه في حجر أخيه، فبكى أخوه لما رآه - لما به - فقطرت من دمعه قطرة على وجهه، فرفع سيبويه رأسه إليه فرآه يبكي فقال:
أخيين كنا، فرق الدهر بيننا
إلى الأمد الأقصى، ومن يأمن الدهرا؟
ولقد قضى سيبويه جل حياته في الدرس على خير أساتيذ عصره لا سيما الخليل ويونس، ومات بعد أن ألف كتابه الخالد، وإن كان لم يدرسه، وختمت حياة هذا العالم الجليل دون أن يجني ثمر جهاده، رحمة الله عليه وعلى شيخيه الجليلين الخليل ويونس.
تولى سيبويه، وجاش سيب
من الأيام فاختل الخليل
19
ويونس أوحشت منه المغاني
وغير مصابه النبأ الجليل
أتت علل المنون، فما بكاهم
من اللفظ الصحيح ولا العليل
ولو أن الكلام يحس شيئا
لكان له وراءهم أليل
| هوامش
| في بلاد العمالقة1
(1) قصر العملاق
ولاح لنا قصر كبير - على مسافة بعيدة من الجزيرة - فقصدنا إليه حتى بلغناه، فوجدناه قلعة شاهقة محكمة البناء، فتعاونا جميعا على فتح بابه الكبير، ثم دخلنا فناءه فوجدنا فيه كومة من العظام البشرية؛ فهالنا ذلك المنظر، وامتلأت قلوبنا منه رعبا، ولم ينطق أحد منا بكلمة واحدة؛ لشدة ما لحقنا من الذعر، وبقينا خائفين طول النهار، حتى - إذا غربت الشمس - سمعنا صرير الباب الخارجي وهو يقفل، ورأينا عملاقا هائلا يدخل علينا وهو - في مثل طول النخلة - أسود الوجه، له عين واحدة يكاد يتطاير منها الشرر، وأنياب طويلة حادة مروعة!
في حضرة العملاق
ولم نكد نراه حتى تملكنا الرعب واستولى علينا الهلع والفزع، وصرنا كالموتى وهو ينظر إلينا نظرات مخيفة، ثم اقترب مني وأمسك بي - وأنا كالعصفور في يده - فرآني نحيلا هزيل الجسم، فتركني وأخذ غيري فرآه نحيفا فلم يعجبه أيضا. (2) كيف شوى الربان
ونظر إلى الربان فرآه سمينا فأعجبه، فأمسك به ولوى رقبته بيده، ثم جاء بسفود طويل فأنفذه فيه، وأوقد نارا حامية وضعه عليها، وما زال يقلبه حتى شواه فأكل لحمه ورمى عظامه على الأرض، ثم نام فسمعنا له شخيرا عاليا.
ولما أصبح الصباح خرج العملاق من القصر وتركنا، فخرجنا إلى الجزيرة يائسين، وتمنينا لو كنا غرقنا في البحر، ولم نقع في قبضة هذا الغول المخيف؛ حتى لا يكون نصيبنا هذه الميتة الشنعاء التي لم تكن لتخطر لنا على بال.
وبحثنا طول النهار عن مكان نختبئ فيه فلم نظفر بطائل؛ فعدنا إلى القصر خائفين، وجاء العملاق - بعد قليل - فشوى أحدنا كما شوى بالأمس ربان السفينة وأكله، ونام إلى الصباح، ثم خرج إلى حيث لا ندري، وخرجنا هائمين في الجزيرة، وقد أشار علينا بعض رفاقنا أن نلقي بأنفسنا في البحر؛ حتى ننجو من هذه الميتة المروعة، وأشار آخرون أن نحتال لقتله. (3) فلك النجاة
فأشرت عليهم أن يهيئوا فلكا من خشب الأشجار؛ فإذا لم ننجح في قتل العملاق هربنا من الجزيرة في تلك الفلك؛ ففرحوا جميعا بهذا الرأي، وشرعنا في العمل بجد ونشاط حتى إذا تمت الفلك وضعنا فيها ما نحتاجه من الزاد وربطناها إلى شاطئ البحر.