قال ابن درستويه: «كان الكسائي يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة، فيجعله أصلا يقيس عليه حتى أفسد بذلك النحو.»
وقال الأصمعي: «أخذ الكسائي اللغة عن أعراب من الحطمة ينزلون بقطربل، فلما ناظر سيبويه استشهد بلغتهم عليه.»
وقال محمد اليزيدي:
كنا نقيس النحو فيما مضى
على لسان العرب الأول
فجاء أقوام يقيسونه
على لغى أشياخ قطربل
فكلهم يعمل في نقض ما
به يصاب الحق لا يأتلي
إن الكسائي وأصحابه
يرقون في النحو إلى أسفل
وقال الزجاج: «أي إنصاف في الرجوع إلى أعراب وفدوا لحاجتهم، وسيبويه رجل غريب وخصومه أهل البلد والدولة؟ وإنما الحكم العارف بالصحيح وغيره؛ وقد لا يعرف الأعرابي إلا لغته الشاذة.» إلى آخر هذه الآراء.
وقد أشار «المعري» إلى تحامل الكسائي على سيبويه في رسالة الغفران، وألمع إلى بعض المناظرات التي قامت في ذلك العصر - الحافل بالمناقشات والمناظرات بين علمائه - فقال في معرض الكلام على تناسي الحسائك والأحقاد في الجنة بين ألد الخصوم: «فصدر أحمد بن يحيى
8
هناك قد عسل من الحقد على محمد بن يزيد
9
فصارا يتصافيان ويتوافيان.»
وأبو بشر عمرو بن عثمان «سيبويه» قد رخصت سويداء قلبه من الضغن على «علي بن حمزة الكسائي» وأصحابه لما فعلوا به في مجلس البرامكة، وأبو عبيدة صافي الطوية لعبد الملك بن قريب،
10
والملائكة يدخلون عليهم من كل باب:
سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار .
11 (1) كيف كانت المناظرة
لم يكد يرد سيبويه إلى العراق حتى شعر الكسائي أن مركزه العلمي في خطر، وأن منافسا جديدا يحاول أن يغتصب منه مقام الزعامة.
قالوا: «وشق أمره على الكسائي فأتى يحيى وجعفر بن برمك وقال: «أنا وليكما وصاحبكما، وهذا الرجل إنما قدم إلى العراق ليذهب محلي.»
قالا: «فاحتل لنفسك فإنا سنجمع بينكما.»
وهكذا دبرت المؤامرة في بيت البرامكة لهدم سيبويه، فلما حان الموعد حضر سيبويه وحده، وجاء الكسائي ومعه الفراء والأحمر وغيرهما من أصحابه، فسأله الفراء عن مسألة فلم يكد يجيبه عنها حتى قال له: «أخطأت.» وسأله عن ثانية فأجابه فقال له: «أخطأت.»
ثم سأله عن ثالثة وقال له: «أخطأت.»
فقال له سيبويه: «هذا سوء أدب منك!»
فقال الفراء لصاحبه: «يظهر أن في هذا الرجل عجلة وحدة!»
وسأله الأحمر عن عدة مسائل فكان يخطئه في كل جواب يفوه به، قالوا: «فلم ير سيبويه إلا أن يكف عن مناقشتهما.»
وهنا يقول له الكسائي - ولعلك تلمح في جملته معنى التحقير والاستصغار: «يا بصري، كيف تقول: كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها؟»
قال: «أقول فإذا هو هي.»
فأقبل عليه الجمع فقالوا: «أخطأت ولحنت.»
وفي هذا مثال من التهويش والتحامل على سيبويه.
وهنا يقول يحيى بن خالد بن برمك: «هذا موضع مشكل حتى يحكم بينكم!» فيقول الكسائي: «هؤلاء الأعراب على الباب.»
قالوا: «فأدخل ابو الجراح، ومن وجد معه ممن كان يأخذ منه.»
فقال لهم الكسائي: كيف تقولون: «قد كنت أحسب أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا الزنبور إياها بعينها.»
فقالت طائفة: «فإذا الزنبور هي.»
وقالت أخرى: «فإذا الزنبور إياها بعينها.»
فقال الكسائي: «هذا خلاف ما تقول يا بصري!» •••
وهنا يقبل يحيى رب الدار على سيبويه - وهو الغريب المستوحش - فيقول له ما يشعره بأن صاحب الدار من رأي الكسائي وشيعته: «قد تسمع أيها الرجل!»
فلا يكاد يسمع سيبويه هذه الجملة حتى يستكين، ويسرع الكسائي إلى يحيى فيقول له حتى يطمئن على أن المناظرة قد انتهت، وأن الغلبة قد تمت له: «أصلح الله الوزير، لقد وفد عليك من بلده مؤملا، فإن رأيت ألا ترده خائبا؟»
فيأمر له يحيى بعشرة آلاف درهم. •••
وكأنما ألف الكسائي أن يصطنع الناس بالمال ليضمن لنفسه إقرارهم بزعامته العلمية التي يسعى إلى الانفراد بها عند الخليفة، ولعله حسب أن هذه المنحة تنسي سيبويه تلك الصدمة العنيفة التي سببها له.