| هوامش
| مناظرة الكسائي وسيبويه1
مسألة العقرب والزنبور
وليس يخلو امرؤ من حاسد أضم
لولا التنافس في الدنيا لما أضما
والغبن في العلم أشجي محنة علمت
وأبرح الناس شجوا عالم هضما
حازم القرطاجني
كان من أثر المناظرة التي قامت بين «الهمذاني» و«الخوارزمي»
2
أن «الخوارزمي» مات بعد قليل من الزمن، ولم تحتمل شيخوخته تلك الصدمة العنيفة، وكان من أثر المناظرة التي قامت بين «الكسائي» و«سيبويه» أن «سيبويه» مات كمدا وهو في ريعان شبابه، وجن نشاطه - كما يقولون - ولم يحتمل شبابه تلك الهزيمة القاتلة، وليست الطرق التي لجأ إليها «الكسائي» أقل قسوة من تلك الطرق التي سلكها «الهمذاني» للتغلب على «الخوارزمي» والانتصار عليه. •••
ولقد قلنا في المناظرة السابقة إن «الهمذاني» قد أعد عدته، وهيأ لنفسه كل أسباب الانتصار والفوز على خصمه، وزج به في مجلس كله خصومة ولدد، ونقول في هذه المناظرة إن «الكسائي» لم يقصر في إعداد كل الوسائل لهدم «سيبويه» ولم يتعفف عن شيء في سبيل الانتصار عليه
3
وإذا كان «الهمذاني» قد لجأ إلى تملق شهود المناظرة لينصروه على «الخوارزمي»، واشترى ذممهم بهذه الحيلة؛ فإن الكسائي قد لجأ أيضا إلى نفوذه وجاهه وماله، واتخذ من صدامه للبرامكة وكونه مؤدب أولاد أمير المؤمنين وسيلة للتغلب على «سيبويه».
ولئن شكونا في المناظرة السابقة قلة المصادر التي نرجع إليها في تحقيقها، ولم نجد غير رواية «الهمذاني» نفسه - وهي رواية خصم عن خصمه - فإن ما نشكوه في هذه المناظرة هو تعدد المصادر وكثرتها، وتباين رواياتها، وأثر التعصب فيها وتعمد التشويه.
على أن هذه الروايات - رغم اضطراب بعضها واختلافه في التفاصيل - متفقة في الأساس والجوهر، فهي - من أية ناحية رأيت، وبأية رواية أخذت - تدل على أن سيبويه قد ظلم، وأن الحق كان في جانبه.
فقد أجمع علماء النحو واللغة - في زمن سيبويه وبعد زمنه - على أن الصواب ما قال، وأن الكسائي كان في الجانب الخاطئ، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا شيعة الكسائي، والطامعون في ماله أو جاهه، والمحسوبون عليه وذوو الحاجات وطلاب المآرب الذاتية.
وليست هذه المناظرة على الحقيقة - إن صح أن نسميها مناظرة - إلا نضالا بين مذهبين، وحربا بين مدرستين؛ مدرسة الكوفيين، ومدرسة البصريين أساتيذهم، ممثلتين في شخصي الكسائي زعيم علماء النحو في الكوفة، وشيخ مدينة السلام، وسيبويه زعيم علماء النحو في البصرة، وتلميذ الخليل بن أحمد بن سيد أهل الأدب - كما كانوا يلقبونه - وقد لعبت الأهواء من سياسة وغيرها في تغليب رأي الكسائي على رأي سيبويه.
4 •••
على أن فضل سيبويه ذائع - رغم انتصار الكسائي عليه - وكتابه الذي ألفه في النحو لم تبل جدته إلى اليوم، ولا يزال كتاب نحو وأدب معا، وأسلوبه في أعلى طبقات البلاغة، وقد كان المبرد يقول لمن يريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه: «هل ركبت البحر!» تعظيما لشأنه. وكان الزجاج
5
يقول: «إذا تأملت الأمثلة من كتاب سيبويه تبينت أنه أعلم الناس باللغة.»
وقال الجرمي:
6 «أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه.».
7
وقال المازني: «من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح.» •••
وقد كتب سيبويه هذا الكتاب الخالد في الوقت الذي كان فيه الكسائي منصرفا إلى المناصب والاتصال بالخليفة، والدعاية لنفسه بأنه العالم الفذ الذي استنفذ خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب، وأن هذا زيادة على ما حفظه، إلى آخر هذه الدعاوى الفارغة التي لا يعنى بها المنصرفون إلى العلم حقا، والتي هي أشبه بالإعلانات التجارية، وهذا أسلوب فذ في الدعاية لجأ إليه الكسائي - في جملة ما لجأ - للوصول إلى الشهرة.
وإذا رأينا علماء اللغة وأئمة النحو يحترمون «سيبويه» ويقرون مذهبه، رأيناهم - على العكس من ذلك - ينفرون من مذهب الكسائي ويرون فيه إفسادا للغة وإضاعة للنحو.