تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي عام «1865م» وقف الأستاذ «جريجور مندل» في جمعية «التاريخ الطبيعي» بمدينة «برون»، وأعلن للمرة الأولى نتائج اكتشافه الجديد؛ ولكن هذه الآراء الثائرة لم تقابل بما كانت جديرة به من الاهتمام، وسرعان ما انسدل عليها ستار الخمول والنسيان؛ فلم يفت ذلك في عضد هذا العالم، بل تلقى الصدمة بثبات الفيلسوف، وقال لأحد أصحابه مبتسما: «لم يحن زمني بعد!» •••

ولئن مات هذا النابغة - ولم يمتد به زمنه لرؤية اسمه ذائعا ومبادئه منتشرة - فقد تحققت نبوءته، وكتب لاسمه الخلود بعد موته!

ولقد مضى على دفنه خمسة وثلاثون عاما، كان يغمره الخمول والنسيان في أثنائها، حتى إذا بدأ فجر هذا الجيل انبعثت آراؤه من مرقدها، وذاعت حتى أصبحت اليوم من الآراء العلمية المقررة، وقد عززتها تجاريب العلماء واختبارات الباحثين، فلم تزدد - على التمحيص - إلا قوة، وكان لها أكبر الفضل في إنتاج أنواع جديدة صالحة من البذور والخضراوات والأزهار، كان لها أعظم الأثر في تحسين أنواع الماشية وكرائم الجياد. (1) نشأة مندل

إن نشأة مندل وحياته الحافلة ليستا إلا مثالا صالحا لبيان ظاهرة من ظواهر الطبيعة العجيبة، التي تخرج العبقريات الفذة والعقول الجبارة من البيئات المنحطة والأوساط الفقيرة، فقد ولد «مندل» فقيرا؛ فحال ذلك بينه وبين التعلم، ووقف فقر ذلك الفلاح النمسوي عقبة كأداء في طريقه، لكن أخته ضحت في سبيل تعليمه بمهر زواجها الضئيل؛ فبعثت به إلى المدرسة، ولما بلغت سنه الحادية والعشرين دخل الدير، حيث بدأ يدرس طبائع النبات - إرضاء لغريزته وهواه في بادئ الأمر - ثم عين مدرسا للتاريخ الطبيعي في مدرسة «برون» الصناعية؛ فنجح في مهمته نجاحا لفت إليه أنظار رؤسائه؛ فأعانوه وشجعوه على مواصلة دراساته وبحوثه في جامعة «فينا»، ولم يمر عامان حتى أتم دروسه بها، وعاد إلى الدير حيث أجرى في حديقته تجاريبه التي تعد - بحق - غزوا جديدا في عالم العلم.

وكان قد ذاع اسم العلامة «داروين» وعرف خطره، وأهمية مباحثه العلمية التي أدهشت رجال العلم واللاهوت في كتابه «أصل الأنواع»، وهو الذي وضع فيه أساس نظرية «النشوء». ولئن اعتمد داروين في استنباط نظريته على ما شاهده من التخالف والتباين بين الكائنات الحية، من نبات وحيوان، إلا أنه اعترف بعجزه - اعترافا صريحا - عن توضيح أسباب هذه الاختلافات وتبيان الأسباب التي تجعل الفرع يغاير أصله؛ ولعل هذا وحده كان السبب الأول الذي دفع عالمنا «مندل» إلى البحث عن هذا السر، وتوجيه جهوده إلى حله وفك معمياته!

ومهما يكن من أمر، فقد انقطع «مندل» لدراسة مسائل الوراثة، وتفهم الأسباب والعلل التي نشأ منها تخالف الأفراد وتغايرهم! ولكن وميضا من الوحي، أو قبسا من الإلهام؛ أنار له الطريق التي يسلكها للوصول إلى ذلك التباين العظيم في توريث أخلاق الناس وصفاتهم ومواهبهم. (2) كيف استنبط مندل طريقته؟

أما الطريقة التي سلكها «مندل» في استنباط قانونه، فهي سهلة واضحة يسهل منها تفهم الوسائل التي قادته إلى تلك النتائج الباهرة، فقد اختار بعض نباتات «البسلة» - بادئ ذي بدء - ورأى أن بعض عيدانها طويل والآخر قصير، وأن لبعضها أوراقا خشنة، على حين رأى أوراق البعض الآخر ناعمة، وشاهد أوراقا صفراء وأخرى خضراء، ثم أكب على درسها وفحصها إكبابا.

وبدأ يغرس بذور بعض عيدانها الطويلة وعيدانها القصيرة، وكان يبلغ ارتفاع الأولى عدة أقدام، ولا يزيد ارتفاع الثانية عن بضع بوصات، فلما نمت تلك العيدان وتم نماؤها؛ لقح بذور الأولى ببذور الثانية، مزاوجا بين كل بذرة من بذور العيدان الطويلة، وأخرى من بذور العيدان القصيرة، ثم أخذ تلك الحبوب الجديدة فبذرها في العام التالي، فكانت النتيجة على غير ما يتوقعها القارئ، ولم يخرج النبات مزيجا من العيدان الطويلة والقصيرة، بل كانت سوقه كلها طويلة، فلما غرس حبوبها - بعد ذلك - غرسا عاديا، وصل إلى نتيجة أخرى لا تقل غرابة عن سابقتها؛ فقد ظهر الغرس الجديد مزيجا من العيدان الطويلة والقصيرة، ولكن بنسبة مطردة؛ هي نسبة ثلاثة عيدان طويلة إلى واحد قصير. (3) نتيجة هذه التجاريب

الوعظ القصصي · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٤٠