تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ذلك استخلص «مندل» أن خصائص القصر قد انعدمت بالازدواج في النتاج الأول، وأن الطول - لهذا السبب - يطغى على القصر، وأن للأول صفات مؤثرة، كما أن للثاني صفات متأثرة، فسمى الأولى صفات «قاهرة» والثانية صفات «مقهورة»، أو إن شئت فسمي أولاها «مخضعة» والثانية «خاضعة». •••

ثم استمر يزرعها كرة بعد أخرى، فماذا رأى؟ رأى أن بذور العيدان القصيرة لا تنتج إلا عيدانا قصيرة فقط، وأن ذرياتها لا تكون إلا قصيرة دائما، أو بعبارة أخرى: أن ذات الصفات الخاضعة تظل ذرياتها على ما هي عليه، وأن واحدا من كل ثلاثة عيدان طويلة يحتفظ في ذريته بميزة الطول.

شكل هندسي يتبين منه القارئ قوانين الوراثة التي تكشفها «مندل» في تجاريبه التي أجراها بعيدان «البسلة» بعد أن زاوج بين طويلها وقصيرها، ومن هذا الشكل يتبين القارئ نتيجة الازدواج واضحة جلية.

بينما يبقى الاثنان الآخران محتفظين بالنسبة السابقة في الذريات المتعاقبة بنسبة ثلاثة عيدان طويلة إلى عود قصير.

فلما طبق هذا القانون على نباتات أخرى وجده صحيحا، وظل يزيد في أشباه هذه التجاريب بطرق شتى، حتى توصل إلى نظريته في الوراثة. (4) أهمية قانون مندل

ولقانون «مندل» خطر عظيم؛ إذ هو أول من كشف للناس إمكان الانتفاع بميزات بعض الأنواع - من نبات وحيوان - ونقلها إلى غيرها، والتوصل بذلك إلى تحسين النوع، ولهذا خطره وأهميته الحيوية في تربية الماشية والجياد وغيرها، ومساعدة الفلاح على تحسين إنتاجه الزراعي أيضا.

على أن نفعه لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه إلى تمكين الناس من استيعاب طبيعة الأشياء بوضوح وجلاء، وتفهم دقائق هذه المادة الضئيلة، ونظم تركيبها وتأليفها، وسر مميزاتها، وطريقة توريثها وانتقالها إلى ذراريها. •••

ولقد كان «مندل» متدينا، قائما بواجبات دينه بغيرة لا تقل عن غيرته العلمية التي دفعته إلى البحث، وقد رفعه رفقاؤه إلى رئاسة الدير؛ فأبلى بلاء الصابرين، ولم تفتر له عزيمة في مكافحة السلطات الحكومية ودفع ظلمها.

ولقد لقي في كل خطوة من خطواته مثبطات ومؤيسات؛ فما وهن عزمه ولا نكص أمامها، وغمره الخمول وجهل الناس به، فلم يتزعزع يقينه الثابت وإيمانه الراسخ؛ لا في علمه ولا في دينه.

والحق أن حياة هذا الرجل هي خير رد على أولئك القائلين إن العلم والدين لا يتفقان، فقد ظل - بملاحظته الدائبة، وبصره النافذ - يقرأ سفر الطبيعة الخالدة مستوحيا منه قوانينها، وثم وجد ما يزيد إيمانه بخالق الكون ومبدعه!

ولقد قال: «إن زمني سيجيء بعد قليل.»

وقد جاء زمنه وصحت نبوءته!

| آخرة العالم كيف تكون1 ...؟

زحل أشرف الكواكب دارا

من لقاء الردى على ميعاد

ولنار المريخ من حدثان الده

ر مطف وإن علت في اتقاد

والثريا رهينة بافتراق الشم

ل حتى تعد في الأفراد «أبو العلاء»

ستنتهي آخرة هذا العالم الأرضي الذي نسكنه بانفجار عظيم هائل، وليس لهذه الخاتمة من سبب إلا قدم عمره وتطاول أمده.

2

وعالمنا الأرضي شبيه بساكنيه، فكما أن الإنسان يتغضن وجهه، وتتجعد بشرته، وتبدو على أساريره خطوط الزمن واضحة جلية للناظرين، كذلك نرى الأرض كلما تقادم عمرها تصدع ظاهرها وبدت على سطوحها شقوق تذكرنا بما يبدو على أسارير الوجوه من أثر الشيخوخة.

3

وكلما كرت الأدهار، وتقادم العالم الأرضي، اتسعت هذه الشقوق وعظمت حتى يصبح كل شق منها هاوية عظيمة، ومتى بلغت غاية اتساعها تفكك عالمنا وتناثرت أجزاؤه في الفضاء، وأصبح في خبر كان!

وستصحب هذه الخاتمة فرقعة هائلة وانفجار مروع لا قبل لأحد بوصف هوله وروعه، ثم يعقبه تبدد الكرة الأرضية وصيرورتها قطعا لا يحصيها العد، تسبح في أجواز الفضاء اللانهائي!

ثم ماذا؟

ثم يسير العالم الأكبر سيرته الأولى غير حافل بما حدث، وتظل المجموعة الشمسية غير متأثرة بهذا الحادث الهائل كأن شيئا غريبا لم يحدث.

الوعظ القصصي · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٤١