تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وظل يشدد الحصار عليها بقوة عدة أشهر، ثم أخذت المدينة بعد أن مات «عبد الله بن الزبير» سنة 962م.

| هوامش

| هل يشبهك ابنك؟1

لماذا تختلف عن إخوتك وأخواتك في السمات والشبه؟ وما هو السر في أن يولد أحد الإخوة أسود العينين، والآخر أزرقهما؟ ولم تولد إحدى البنات شقراء الشعر، على حين تولد أختها فاحمته؟

كيف ينشأ أحدنا نحيف القوام بطبعه، على حين نرى الآخر بدين الجسم قويه؟ ولم يولد أحدنا طويلا والآخر قصيرا؟ ولم يكون أحدنا عرضة لأمراض بعينها، وتكون في الآخر مناعة طبيعية تحميه منها دون أخيه؟ لم يولد هذا فنيا ذا مواهب وكفايات في الفنون، ويولد ذلك مفطورا على حب الهندسة أو الميكانيكا، أو ينشأ ميالا إلى الرياضة مثلا؟

وكيف يسهل على أحد الأولاد جمع الثروة، ويكون النجاح دائما حليفه، حينما يخفق إخوته في ذلك إخفاقا تاما؟ لم هذا كله؟ وكيف يتأتى ظهور كثير من العباقرة والنوابغ في بيئات حقيرة خاملة؟ وجماع القول، كيف يختلف كل حي في هذا الوجود عن كل حي آخر؟ •••

هذه أسئلة عويصة، قد بدأ يجيب عليها علماء البيولوجيا والطبيعة - في هذا العصر - وقد وفقوا إلى حلها في السنين الأخيرة، بعد أن نقضوا الفكرة القائلة بأن الناس يولودون جميعا سواسية في المواهب والكفايات، فقد اهتدى العلماء إلى كثير من الحقائق الطريفة في توريث المواهب العقلية والمزايا الجثمانية، وطريقة انتقالها من الأعقاب إلى الذراري، وعلاقة ذلك بمستقبل الناس وحظوظهم، وبعد أن طبقوا قوانين الوراثة الحديثة، ووفقوا إلى حصرها وضبطها، وأصبحوا قادرين على توليد وتنشئة كثير من ضروب النباتات وأنواع الحيوان بأحسن مما كانت، وأكسبوها مزايا لم تكن في سابقتها، وهم يأملون الآن أن يفلحوا في تطبيق هذه القوانين، لتنشئة مواليد وأطفال خيرا من أسلافهم وآبائهم. •••

منذ بداية القرن الحالي بدأت هذا الاكتشاف الجديدة - التي وصل إليها الباحثون في قوانين الوراثة وأساليب انتقالها - تغير من طرق البحث وتكشف للناس حقائق عظيمة الخطر.

ومن غرائب الأمور أن أول اكتشافها لم يكن في معامل التجاريب والمباحث الكيميائية - كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة - بل كان ذلك في حديقة دير! •••

عد بخيالك أيها القارئ نيفا وستين عاما، وتمثل دير «كونجن كلوستر» القديم في مدينة «برون» من أعمال النمسا، ثم أطلق العنان لخيالك متمثلا صلوات الصبح تتلى في ذلك الدير، فيسرع راهب فاضل - كرس حياته للعلم، ووهب نفسه للبحث والتمحيص - إلى التعمق في الدرس والإكباب على الفحص، وقد انبعث من عينيه النفاذتين بريق أخاذ، ثم تمثله في حديقة ذلك الدير التي غرس فيها شتى صنوف النبات ومختلف أنواعه وفصائله، فإذا جلس خلالها لم يند عنه نبات واحد منها، ولم يفته معرفة أي نوع مما غرس فيها، وأصله وتاريخه، وهو يمر فيها - المرة بعد الأخرى - فلا يغفل في كل مرة عن التحديق في هذه النباتات وإدمان النظر إليها، إدمان فاحص مدقق ينعم بصره في أوراقها وجذوعها وزهراتها، ويتملى بها كما يتملى الإنسان بأصدقائه وأحبابه، مستعيدا - لدى رؤيتها - ذكرياته وملاحظاته عليها.

ذلك هو العلامة القس «مندل» - رجل الدين والعلم معا - وهذه الحديقة هي معمله ومكان تجاريبه العلمية، وقد دأب فيها - يوما بعد يوم، وعاما بعد عام - فاحصا مدققا البحث منعما النظر في نتاج الحبة من الحبة، وأثر تزاوج الأنواع بعضها ببعض، وما يكسبه ذلك من مميزات الوراثة وخصائصها، وما يكسبه كل محصول جديد من قوى جديدة بفضل هذا الازدواج، وكلما أخرج نباتا حديثا أكب على دراسته وتفهم ميزته بأناة وصبر عجيبين لا يعتورهما ملل، ولا يخامرهما فتور حتى وصل إلى قوانين ثابتة معززة بالعلم، مؤيدة بالعمل، وظفر بنظام جوهري ثابت تخضع له الوراثة ويسير عليه قانونها. •••

الوعظ القصصي · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٣٩