وكثيرا ما لجأ أبي - في تربيتي - إلى ضرب الأمثلة، والقصص. أذكر لكم أن بعض أشقياء الصبية أغراني بتسلق «الترام» - وأنا صغير - فرآني أبي وأنا أفعل ذلك ولم أره.
فلما عاد إلى المنزل قال لي: «لقد حدث اليوم يا ولدي أمر عجيب، فقد هوى ولد شقي تحت عجلات الترام فقطعته شطرين، وظل الناس يلعنونه ويلعنون أهله. «وهنا ذكرتك يا ولدي فحمدت الله على حسن أدبك وبعدك عن هذه الدنايا.»
أقول لحضراتكم: إن الأرض كادت تغوص بي، وكان هذا آخر عهدي بهذا العمل الممقوت. •••
وفي ذات يوم قلت له - وكنت طفلا: «إني لأخشى العفاريت، والحشرات المؤذية حين أصعد سلم البيت في ظلام الليل.»
فقال لي: «من الذي يحرسك وأنت نائم؟»
قلت: «هو الله.»
قال: «أتظن أن من يحرسك وأنت نائم لا يحرسك وأنت يقظان؟» فكان ذلك آخر عهدي بالخوف أيها السادة.
ولقد قرأ لي أبي كثيرا من القصص في فجر حياتي، لا أزال مدينا لها - إلى الآن - بما يظنه في بعض من يحسنون الظن بي من خيال وأدب. •••
ليست وظيفة الواعظ منحصرة في أن يقول للناس: «اتقوا الله واخشوا عذابه واحذروا ناره»، في كل أسبوع بعبارات مختلفة، وأن يقول:
عباد الله
أوصيكم وإياي بطاعته، وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره.
إلى آخر هذه الكليشيهات والعبارات المحفوظة حفظا، والجمل المرصوفة رصفا.
ولكن وظيفته وواجبه في أن يحسن التعبير عما يشعر به من خوالج، وعواطف صادقة.
ولو كنت خطيبا في مسجد لما صعب علي أن أهتدي إلى موضوع صالح - كل يوم - بله كل أسبوع.
فأمامي الحياة اليومية أقتبس منها ألف مثل مما أراه في الطرقات وغيرها.
وأمامي التاريخ الحافل بالعظات، والعبر، والمثل العليا. (1) موقعة أحد
خذوا مثلا على ذلك موقعة أحد فهي وحدها تصلح موضوعا لعدة خطب. (1-1) عاقبة المخالفة
كان النصر محققا للمسلمين في بدئها فلما خالفوا أمر النبي - عليه السلام - وانتقلوا من موضعهم، كر عليهم المشركون، وقتلوا منهم عددا كبيرا فيهم «حمزة» عم النبي
صلى الله عليه وسلم
واستطاع العدو أن يخلص إلى النبي؛ فيرميه بالحجارة. قالوا: «ووقع لشقه؛ فأصيبت رباعيته وشج وجهه، وكلمت شفتاه، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وسقط في إحدى الحفر التي حفرها المشركون ليقع فيها المسلمون ... إلخ.»
أليس هذا موضوعا جليلا يبين لنا عاقبة المخالفة؟ (1-2) وفاء الصحابة
وفي هذه الموقعة يتجلى لنا مثل عال من أمثلة الإخلاص، والتفاني في الوفاء؛ إذ يقبل الصحابة على النبي مستبسلين يفدونه بأرواحهم، يأخذه علي بيده، ويرفعه طلحة بن عبيد الله، ويحيط به جماعة من الأنصار والمهاجرين؛ ليقوه السوء بنفوسهم، وتتجلى شجاعة المرأة العربية واضحة، فلا تقل عن شجاعة «جان دارك» التي لا يكاد يخلو من ذكرها كتاب فرنسي من كتب التاريخ، والتي ملئوا الدنيا إعجابا بها.
تنحاز «نسيبة بنت كعب» إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
وتتفانى في الذود عنه - وكانت تسقي في أول النهار - فلما رأت هزيمة المسلمين أسرعت إلى النبي تفديه بنفسها، ضاربة بسيفها مرة، ورامية عن قوسها أخرى، حتى أثخنتها الجروح.
أتريدون أمثلة أخرى من هذه الموقعة؟ لو شئتم لما وفت الليلة كلها إذا قصرناها على هذه الموقعة وحدها، فلنجتزئ بذلك ففيه الكفاية. أتريدون أمثلة على فضل الصبر؟
فضل الصبر (صبر الصحابة)
كان النبي يذكر يوما ما لقي من قومه من الجهد والشدة، قال: «لقد مكثت أياما وصاحبي هذا (يشير إلى أبي بكر) بضع عشرة ليلة ما لنا فيها من طعام إلا البرير «ثمر الأراك» في شعب الجبال.» •••
وكان «عتبة بن غزوان» يقول - إذا ذكر البلاء، والشدة التي كانوا عليها بمكة: «لقد مكثنا زمانا، ما لنا من طعام إلا ورق البشام، أكلناه؛ حتى تقرحت أشداقنا، ولقد وجدت يوما تمرة، فجعلتها بيني وبين سعد، وما منا اليوم إلا وهو أمير على كورة.»