تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبهذا تكون قد قدمت للناس أمثلة يقتدون بها، وأمثلة يحذرون الوقوع فيها، ووعظتهم بما حدث لسواهم من خير وشر. «والسعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه.»

قال: «ما كنت أحسب الوعظ بهذه السهولة.»

قلت: «إن سوء فهم كثير من الخطباء معنى الوعظ؛ هو علة تخبطهم فيه وعجزهم عن القيام به.» •••

قالوا: إن مربية أولاد لويس الرابع عشر طلبت إلى أحدهم - وكان صغير السن - أن يكتب كتابا إلى أبيه، وكان بعيدا عنه، فقال لها مدهوشا: «أفي قدرتي أنا أن أكتب كتابا؟»

فقالت له: «هب أباك حضر فماذا أنت قائل له؟»

قال: أقول له: «لقد أوحشتنا واشتقنا إلى رؤيتك!»

قالت: «فاكتب له هذا.»

ثم قالت له: «قل له: إن البيت يحترق!»

فقال لها: «هذا كذب!»

قالت: «قل له إذن: إن الخادم ينظف غرفة الاستقبال.»

قال: «وهذا خبر تافه!»

قالت: «لقد عرفت الآن كيف تكتب الكتاب، فليس يكلفك ذلك أكثر من أن تكتب ما تشعر به مبتعدا عن الكذب، وعن الحقائق التافهة!»

وهذه أيها السادة هي وظيفة الخطيب تماما. •••

وفي إحدى روايات «موليير» نرى أحد المولعين بالدرس - على كبر - يشرح له معلمه النظم والنثر، فيقول له: «النظم هو الكلام الموزون المقفى.»

فيسأله: «وما النثر؟» فيقول له: «هو ما تتكلمه الآن.»

فيقول: «وا عجبا، إذن فأنا أتكلم النثر أربعين سنة وأنا لا أدري!» •••

ولعل أكثركم سيدهش أيضا حين أقول له إنك كثيرا ما تكون خطيبا - عن غير قصد منك - وإنك تكون واعظا بليغا كلما قصصت على إخوانك أو أهلك أو طلبتك قصة بليغة ذات مغزى حكيم!

ولعل أيسر وأبلغ طريقة يتبعها الواعظ - في بيته وطريقه وعلى منبره - هي ضرب الأمثال ورواية القصص.

ولقد فرغ علماء التربية من التدليل على أهمية الأمثال والقصص، وقد سبقهم القرآن الكريم إلى ذلك فقال:

وتلك الأمثال نضربها للناس

وقال:

نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين . •••

ولقد بلغ ولوع بعض الناس بالأسلوب القصصي حدا عجيبا:

أذكر لكم - على سبيل المثال - أن مدرسا فاضلا من مدرسي العربية كان يدرس لنا - في مدرسة أم عباس الابتدائية - وكانت نتائجه أبهر النتائج وتلاميذه أقوى التلاميذ، وكان السر في ذلك؛ هو إسرافه في حب القصص، وقد بلغ به ولعه بالأسلوب القصصي حدا مدهشا جعله يشرح لنا - في قواعد اللغة - «أثر كان وأخواتها، وأثر إن وأخواتها» بأسلوب قصصي جذاب يحبب في النحو أزهد الناس في النحو.

كان يشرح لنا أثر كان وأخواتها في معموليها، وأثر إن وأخواتها كذلك فيقول المبتدأ والخبر أخوان، وهما دائما رافعا الرأس، ففي ذات يوم بينما هما جالسان في بيتهما، إذ سمعا قرعا بالباب؛ فأسرعا إلى زائرهما ففتحا له الباب ورحبا به، وأرادا أن يقدما له شيئا من الحفاوة، بعد أن سألاه عن اسمه فقال لهم «اسمي كان» فقالا له: «أهلا وسهلا بك ومرحبا، ماذا نستطيع أن نقدم لك من قرى؟» فقالت: «أريد أن أصاحبكما وأن تترك صحبتي أثرا ظاهرا تميزاني به من بين رفاقكما جميعا.»

فقالا: «وأي أثر تريدين؟»

فقالت: «أن أنصب أحدكما.»

فلا تكاد تتم قولها حتى يتقدم إليها الخبر مرحبا بشرطها هذا راضيا بحكمها.

وإنهم لكذلك إذ يسمعون قرعا عنيفا بالباب، فإذا فتحوه وجدوا طائفة من الضيفان، فيسألونهم: «من أنتم؟» فيقولون لهم: «نحن أخوات كان.»

وبعد أخذ ورد يظفرن بمثل ما ظفرت به كان.

فإذا جاء اليوم التالي جاءت «إن» زائرة، وطلبت إليهما أن يمنحاها ميزة كما منحا كان بالأمس.

فيتقدم المبتدأ في هذه المرة مرحبا بشرطها، ولا يكاد يفعل حتى تأتي جميع أخوات إن طالبة مثل طلبها فيظفرن به.

هكذا كان يسلك ذلك المدرس الظريف في شرح النحو وتحبيبه إلى نفوس الطلبة، وهي طريقة طريفة كانت تحبب الطلبة في دروسه، وترغبهم في الاستفادة من علمه. •••

الوعظ القصصي · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٢