وكانوا يقولون في من وجد تمرة فقسمها بينه وبين صاحبه: «إن أسعد الرجلين من حصلت النواة في قسمه يلوكها طول يومه وليلته من عدم القوت.»
قال
صلى الله عليه وسلم : «لقد رعيت غنيمات أهل مكة لهم بالقراريط.» •••
أتريدون أمثلة على الاعتداد بالنفس؟!
جاء
صلى الله عليه وسلم
يوما ليدخل الكعبة فدفعه «عثمان بن طلحة العبدري» فقال: «لا تفعل يا عثمان، فكأنك بمفتاحها بيدي أضعه حيث شئت!» فقال: «لقد ذلت قريش وقلت.» قال: «بل كثرت وعزت.»
وانظروا إلى حواره
صلى الله عليه وسلم
مع قريش حين قالت له تفاخره: «أتباعك من هؤلاء الموالي (كبلال، وعمار، وصهيب) خير من قصي بن كلاب، وعبد مناف، وهاشم، وعبد شمس؟»
فقال: «نعم، والله لئن كانوا قليلا ليكثرن، ولئن كانوا ضعفاء ليشرفن، حتى يصيروا نجوما يهتدى بهم ويقتدى فيقال: «هذا قول فلان» «وذكر فلان». فلا تفاخروني بآبائكم الذين موتوا في الجاهلية فلما يدهده الجعل بمنخره خير من آبائكم الذين موتوا فيها.
فاتبعوني أجعلكم أنسابا. والذي نفسي بيده، لتقتسمن كنوز كسرى وقيصر!»
فقال له عمه أبو طالب: «أبق علي وعلى نفسك!» فظن النبي أنه خاذله فقال: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» ثم استعبر باكيا، ثم قام فلما ولى ناداه: «أقبل يا ابن أخي.» فأقبل فقال: «اذهب وقل ما شئت، فوالله لا أسلمتك لسوء أبدا!» •••
أرأيتم خيرا من هذه الأمثلة يسوقها الخطيب يعظ بها قومه، ويضرب لهم بها أعلى الأمثال؟
مثال الطمع وعاقبته
فإذا شاء الخطيب أن يقرب للناس مثل الطمع وعاقبته، فلعل أبلغ مثال يسوقه إليهم هو أن يقص عليهم: «حكاية الدرويش وصاحب الجمال»
وخلاصتها أن رجلا كان يملك ثمانين جملا، فكان يستأجره الناس لحمل متاجرهم من بلد إلى بلد، ففي ذات يوم كانت جماله الثمانون تحمل خشبا من بغداد إلى البصرة؛ فلقيه في طريقه درويش وسار معه زمنا، ثم جاء وقت الغداء فأكل الدرويش معه، وبعد قليل قال له الدرويش: «لقد صرنا رفيقين وصديقين، وسأرشدك إلى كنز ثمين تحمل منه ما شئت من ذهب ولآلئ - على جمالك - ثم نقتسم هذا الغنم معا، فما رأيك؟»
فهش الرجل، وطار فرحا بهذه الصفقة الرابحة التي تضمن له الغنى طول حياته.
وقاده الدرويش إلى ذلك الكنز الثمين، وفتحه، وحملا الجمال الثمانين ما استطاعت حمله من نفائس وذخائر.
ورأى الدرويش صندوقا صغيرا من الخشب فأخذه ثم سارا معا إلى مفترق الطريق، فتعانقا بشوق شديد، وأخذ كل منهما أربعين جملا وسار في طريقة، ولم يكد الرجل يبتعد قليلا حتى وسوس له شيطان الطمع فقال في نفسه: «ترى لو طلبت من ذلك الدرويش عشرة جمال أكان يرفض طلبي؟» ولم يكد يمر بذهنه هذا حتى أسرع يجري إلى الدرويش ويناديه بأعلى صوته ويلوح له بيديه: «يا درويش! يا درويش!» فعاد إليه الدرويش وسأله: ما الخبر؟ فقال له: «ماذا عليك إذا أعطيتني عشرة جمال من جمالك وأنت رجل زاهد لا يعنيك من أمور الدنيا شيء؟» فقال له الدرويش: «لك ما طلبت.»
ففرح الرجل بذلك، وأخذ الجمال العشرة مغتبطا، ثم ودع صاحبه وعاد إلى طريقه.
ولكنه لم يكد يسير قليلا حتى وسوس له شيطان الطمع مرة ثانية، فقال في نفسه: «إنه رجل طيب القلب لين العريكة، وما أحسبه يرفض أن يعطيني عشرة جمال أخرى إذا طلبتها منه.»
وما كاد يستقر في نفسه هذا الهاجس حتى أسرع يعدو نحو الدرويش ويناديه بأعلى صوته: «يا درويش! يا درويش!» فلما عاد إليه الدرويش وسأله عما يريد، قال له: «ألا تسمح لي بعشرة جمال أخرى أيها الرجل الكريم؟» فقال له الدرويش: «لك ما طلبت يا أخي.»
ففرح وأخذ منه الجمال العشرة، ولم يكد يودعه ويسير بضع خطوات، حتى عاوده الطمع فقال: «إن الجمال جمالي، ولولاها لما استطاع أن يحمل هذه النفائس الكثيرة، ثم إن هذا الدرويش زاهد في الدنيا، وأحسب أن عشرة جمال محملة نفائس وذخائر ثمينة تكفيه وتغنيه طول حياته.» وثمة أسرع يجري نحو الدرويش ويناديه: «يا درويش! يا درويش!» فعاد إليه الدرويش مستفسرا عما يريده فقال له الرجل: «إنك قد غمرتني بفضلك وكرمك، وأحسبني إذا طلبت منك عشرة جمال أخرى، لم تخيب رجائي.» فقال له الدرويش: «خذ ما شئت.» فأخذها وودعه، ثم عاوده الطمع مرة ثالثة في نفسه: «وما فائدة هذه الجمال العشرة لهذا الزاهد المشتغل بعبادة الله، إنه رجل متقشف وربما شغلته عن دينه، هذا إلى أنه رجل ضعيف وليس في قدرته أن يمنعني ما أطلب، وما أجدرني أن أنتهز هذه الفرصة النادرة فآخد منه بقية جمالي؛ فإذا أبى أن يعطنيها قتلته أو أخذتها منه قسرا.»