وثم رأينا شعبا يظهر فجأة من بين تلك الصحراء التي لا يكاد يعرفها أحد، شعبا جديدا بدأ يمثل دوره على مسرح الحياة بعد أن ظل نهبا مقسما؛ تناوئ كل قبيلة منه القبيلة الأخرى، فيحتدم النزاع وتقع الحرب الطاحنة. ها قد رأيناه يتحد ويتجمع شمله الشتيت للمرة الأولى.
ذلكم هو الشعب الناهض الذي تملك نفسه حب الحرية، وساعدته على النجاح صفاته النبيلة، فقد كان متقشفا في طعامه، مخشوشنا في لباسه، نبيلا في أخلاقه. كما كان طروبا، سريع البديهة، حاضر النكتة، ولقد كان شريف النفس أريحيا - فإذا استثرته مرة - فهو قاس غضوب شرس، لا يني عن أخذ ثأره، ولا يرده عن انتقامه شيء.
ذلكم هو الشعب الذي قلب - في لحظة واحدة - إمبراطورية الفرس التي ظل السوس ينخر في عظامها قرونا عدة، وانتزع من خلفاء قسطنطين أجمل ضواحيهم، ثم سحق مملكة جرمانية حديثة العهد تحت قدميه، وشرع يهدد - بعد ذلك - بقية أوربا، ذلك بينما كان في الوقت نفسه يوالي فتوحه وانتصاره في الجانب الآخر من المعمورة، حتى وصلت جيوشه الظافرة إلى الحملايا.
لم يكن ذلك الشعب فاتحا فحسب - كغيره من الشعوب الأخرى - بل كان داعيا إلى دين جديد ومبشرا به أيضا.
كان داعيا إلى دين جديد فقام يناوئ الثنوية
2
الفارسية والمسيحية التي أفسدتها الخرافات والبدع، حاملا إلى الناس توحيدا خالصا، لم يلبث أن دان به الملايين من الناس، حتى بلغ عددهم في أيامنا هذه نحو عشر الإنسانية كلها.
ذلك هو الدين الذي أخذنا على عاتقنا محاولة الكلام فيه وفي تاريخه العام. ولعل أول ما يعرض لنا هو هذا السؤال: «مم نشأ؟ وكيف تفرع من الديانة التي سبقته ثم نما حتى وصل إلى ما وصل إليه؟»
فكيف نجيب على هذا السؤال الذي يجدر بنا الإجابة عليه قبل كل شيء؟ الحق أنني لم أكد أعرض لهذا حتى وقعت في حيرة لا مثيل لها، فقد اعترضتني - حتى في هذه الخطوة الأولى - صعوبة لم أكن لأتوقعها قبل أن أتصدى لبحث هذا الموضوع. وإليك البيان:
إنني - على إجلالي وتقديري لما قام به بعض الباحثين الذين تصدوا للكلام عن ديانة العرب القديمة وأصل الإسلام، وعلى إعجابي بفطنتهم واجتهادهم - أقرر ولا أرى بدا من المصارحة أن هذه البحوث الطريفة لا تكفيني قط؛ لأنها لم تستطع أن توضح هذه الأمور أكثر من قبل.
لذلك رأيتني مضطرا إلى إعادة البحث - من جديد - سالكا طرقا أخرى مخالفة لما نهجه غيري من الباحثين إلى اليوم، وقد وصلت إلى نتيجة أنا أول المدهوشين لها، وليس في وسعي أن أسردها في بضع صفحات، إلا أنها - في جوهرها وأساسها - مرتبطة بعدة نتائج أخرى لها خطرها وأهميتها، ولما كانت نتائج بحوثي مناقضة - على طول الخط - كل الآراء السائدة إلى اليوم لغرابتها عنها، والعلم يقضي على الإنسان ألا يلقي للناس قضايا مسلمة لا يدعمها برهان، ولا تقوم على أساس متين من الحجج العلمية الناهضة والأدلة الصحيحة المستقاة من مصادرها الأصلية.
والدعاوى - ما لم يقيموا عليها
بينات - أصحابها أدعياء!
ولما كانت المصادر الأصلية التي أعنيها هي مصادر أجنبية بالنسبة لقارئي هذا السفر
3
رأيتني مضطرا إلى تفصيل ذلك الرأي في سفر مستقل آخر.
4
ولكن ماذا نصنع الآن في هذا الفصل؟ •••
أما أن نجتزئ ببعض الآراء التي وصلتنا، مبدلين فيها، رغبة في أن نوائم بينها وبين آرائنا الخاصة فهذا محال؛ لأن منهجين متباينين من مناهج البحث لا سبيل إلى التقائهما والتوفيق بينهما، هذا فضلا عن عقم هذه الطريقة التي لا غناء فيها، فليس ثم أية فائدة من تعرف جزء من الحقيقة.
لذلك أعملت الفكر فلم أجد إلا مخرجا واحدا من هذا المأزق، هو أن أتبع الفكرة المقررة، مقتصرا على سردها وذكر ما وصل إليه الباحثون من النتائج في هذا الصدد. لا سيما «سبرنجر» أقرب الباحثين وأوفاهم درسا، واستيعابا للتاريخ الإسلامي وترجمة النبي.