على أنني جدير أن أقرر - من الآن - بأسلوب صريح لا يحتمل لبسا ولا تأويلا أنني إن استطعت بهذه الطريقة أن أرفع عن عاتقي عبء المسئولية والمؤاخذة بما أقرره في هذا الفصل من وصف الحال الدينية التي كان عليها العرب في القرن السادس الميلادي، فلن يكون ذلك شأني فيما أقرره في بقية الفصول.
دفعتني هذه الاعتبارات السابقة كما دفعني غيرها من الأسباب التي لا يصعب على القارئ فهمها، إلى الاقتصار على ذكر ذلك الزمن السابق بأقصى ما في قدرتي من الإيجاز الذي التزمته في تبيان ديانة العرب الأولى ونشأتها في بلادهم، فلم أحد عن هذا الشرط قيد أنملة. (3) ديانة العرب الأولى
كان العرب يؤمنون بكائن أعلى - هو الله تعالى - ويعتقدون أن له ذاتا كذواتهم، وأنه محيط بالعالم وما يحويه من كائنات - هو بارئها - وإن اختلفت حظوظها من الطاعة والعصيان، وكانوا يدينون بأنه خالق السموات والأرض
5
وأنه الذات المنزهة التي لا حد لحكمتها، ولا يمارون في أنه مدبر العالم، وأنه هو الذي يرسل عليهم المطر من السماء.
6
كانوا يعتقدون هذا، ويعتقدون أيضا أن ليس له كهان ولا هياكل، كتلك التي خصوا بها أوثانهم. (4) العرب والجن
فإذا تركنا ذلك إلى سواه رأيناهم يعظمون الجن ويمجدونهم، وقد دفعتهم إلى ذلك صحاريهم وجبالهم التي كثيرا ما يضلون فيها أسابيع كاملة؛ فيتمثلون رؤية هذه العوالم الغريبة، ويقوي في نفوسهم هذه التصورات ما يكابدونه فيها من ألم الجوع والعطش، وما يحتملونه من شمس الصحراء المحرقة، وهوائها اللافح، وسوافها المهلكة، هذا إلى ما يعانونه من تقلبات الجو الفجائية، حتى ليصل بهم الروع إلى حد أن يتخيلوا أنهم يسمعون أصوات الجن ويبصرون ذواتهم في أشكال عدة وعلى صور شتى، منها السخيف ومنها المعجب،
7
وكانوا يعتقدون بأن أجسامهم تشغل جزءا من الفضاء - كما تشغله أجسامنا - وأنهم ينتشرون، ولكنهم يختلفون عنا في تكوينهم؛ لأن أجسامهم مخلوقة من النار أو الهواء،
8
ومن ثم لا تراها العين الإنسانية إلا شذوذا، وفي قدرتهم أن يأتوا كثيرا من ضروب الشر والخير، ومن كانوا كذلك فقد وجب عليهم أن يتحببوا إليهم ويمجدوهم ويقدسوهم. ومما سهل عليهم الوصول إلى تحقيق هذه الغاية اعتقادهم أن لكل جني موطنا خاصا به، فهذا في حجر، وذلك في نصب، وثالث في شجرة.
9
وكانت تجمع قبيلة - أو عدة قبائل أحيانا - على تمجيد جني بعينه، وتكل العناية به إلى أسرة بعينها منوط بها أمر رعايته وتلبية رغباته، وكانت هذه الفئة تقوم بحراسته وتعظيم شأنه؛ سواء في الحجر أو الشجرة، أو الصورة التي تمثله، كما تؤدي له حقه من المراسم الكهنوتية؛ والطقوس الدينية التي تقيمها في محرابه، وربما سمع لذلك النصب صوت - كما يحدث ذلك في كثير من الأحيان - ومن الواضح أن الكهنة القائمين بحراسة الوثن قد مرنوا بالحيلة على إحداث تلك الأصوات لإيهام الناس أنها تتكلم - وكان لكل منها صوت خاص به يميزه عن غيره - وكان العرب يعدون ذلك من الخوارق والمعجزات التي يعزونها إلى أوثانهم.
كذلك كانت تحرص كل قبيلة على صنمها، وتشيد بذكره وتفرده بأقصى ما تستطيع من حب؛ لأنها ترى فيه نوعا من الملكية. وكان الكهان ينضحون عنه، ولا ينون في طلب القرابين لذلك النصب، وإن كانوا - على الحقيقة - يطلبونها لأنفسهم ويجرون المغانم لهم باسم الله تعالى.
هذا ما نستطيع أن نستخلصه بسهولة من القرآن وأقوال المفسرين على وجه الإجمال، على أن أحد المؤرخين الذين تخصصوا في درس ترجمة حياة النبي يعزون ذلك إلى قبيلة «خولان» وحدها، وهي التي كانت تقطن اليمن في ناحية منه تعرف باسمها.
وكان من عادتهم، حين تقدم القرابين إلى الآلهة - وهي من البر أو الفصال
10 - أن يقسموها قسمين؛ أحدهما وقف على الله، وهذا من نصيب المعوزين وأبناء السبيل الذي يحلون ضيوفا على أهل القبيلة، والآخر وقف على النصب، وهو من نصيب الكهنة وحدهم.