تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالحرفية شر يجب تجنبه والفرار منه؛ لأنها تسيء إلى صاحبها أبلغ إساءة، ومتى سلكها في حل الشعر لم يجئ نثره عاديا معقولا، بل يصبح مشوها سخيفا مفكك الأسلوب ضعيف الأداء؛ ذلك أن الحرفية تبعد الطالب عن التشبع بروح الأصل، وتجعله يعنى بالقشور دون اللباب ؛ ومن ثم لا نرى إلا جملا ركيكة لا تؤدي معنى واضحا، ولا شك أن التزام الحرفية - الذي يلجأ إليه الطالب حاسبا أنه يوصله إلى أبعد غايات الدقة - لا ينتج عنه دائما إلا ضياع المعنى، وتشويه العبارة، وفقدان الدقة المنشودة.

الطالب : «وكيف نتقي خطر الحرفية؟»

الأستاذ : «يجب أن يكون النثر معبرا عن الأصل الشعري - كما تعبر الترجمة عن روح الأصل - فإذا أردت حل الشعر، وجب عليك أن تستوعب القطعة وتملأ بها شعاب نفسك، ثم تبدأ في نثرها بما يلائم روحها.

فشعر «ملتون» مثلا يجب ألا تنثره إلا في أسلوب يلائمه ويتناسب مع رصانته وجزالته.

وإذا نثرت شعر «تنيسون» وجب عليك أن تراعي في ذلك نبل اللغة مع جمال الموسيقية الذي في الأصل.»

الطالب : «وكيف أصل إلى هذه الغاية؟»

الأستاذ : «أول ما يجدر بك أن تفعله للوصول إلى هذه الغاية هو أن تقرأ الأصل قراءة متفهم مستوعب، لتتشبع بروحه، وأن تقرأه - مرة أو مرتين بصوت عال قراءة من يحس ويشعر، ويتأثر بمعانيه، ويتذوق جماله بكل ما في نفسه من إحساس وشعور وذوق!

فإذا تم لك ذلك وجب عليك أن تحصر - في ذاكرتك - الفكرة الجوهرية التي تنتظم القصيدة - أو المقطوعة - فإذا انتهيت من ذلك وضعته في الأسلوب الذي تجده ماثلا في ذهنك بما يواتيك من بيان!»

الطالب : «ولكن ألا ترى بدا من أن نكتب بأسلوب جميل؟»

الأستاذ : «لا بد من ذلك يا ولدي، ويجب عليك أن تبذل كل ما أوتيت من قوة وجهد في تحسين الأسلوب وتجميل العبارة؛ حتى تتناسب مع جمال الأصل، كما يجدر بأسلوب أن يجمع بين الوضوح والرشاقة والجمال، بحيث يعجب به كل من لم يطلع على الأصل!

وعليك أن تتجنب في نثرك العبارات الشعرية والكلمات والجمل والأساليب التي اختص بها الشعر وحده، فإن للشعر لغة وخصائص كثيرا ما تخالف لغة النثر وخصائصه.

ورب كلمة - هي في قافية قصيدة آية من آيات الجمال والموسيقية - إذا وضعت في جملة نثرية كانت آية من آيات فساد الذوق وضعف الأسلوب!»

الطالب : «فما هو الغرض الأول الذي نجعله نصب أعيننا حين نتعلم الإنشاء؟ وما هي الغاية الحقيقية التي نتطلع إليها من دراسة هذا الفن؟»

الأستاذ : «يجب أن ترمي إلى أمرين، إلى أمرين فقط؛ الوضوح، وحسن الصياغة! وهذان الغرضان من اليسير على أي طالب ذي كفاية متوسط أن يصل إليهما، إذا عني بهما عناية خاصة، ومرن نفسه على بلوغ هذه الغاية!

فإذا كنت ممن وهبه الله بلاغة، وقدرة على الافتنان في الأسلوب، والتصرف بفنون القول؛ نلت أعلى منزلة في الكتابة، على أنك - إذا لم يساعدك طبعك - وأردت أن تكون رشيق التعبير رائع البيان؛ فلن تصل إلى تلك المنزلة مهما بذلت من جهد في الدرس والتحصيل!»

الطالب : «ولكن من المؤكد أن في استطاعة كل إنسان أن يكتب بوضوح، وأن يكون أداؤه حسنا، فقد يظهر أن ذلك طبيعي جدا.»

الأستاذ : «ليس من السهولة بحيث تظن يا ولدي، فليس من الهين أن يكتب الإنسان كتابة واضحة حسنة الأداء.

لقد أصبح عصرنا حافلا بالكتب والصحف والمجلات، وأصبح إقبال المتعلمين على القراءة يفوق كل وصف، وكثيرا ما تزدحم أذهان الشباب بما قرأوه - مما لم يستوعبوه جيدا - فإذا حاول أحدهم أن يؤدي لك فكرة أداها مضطربة مشوشة لا سبيل إلى أن تفهمها؛ لأنه هو نفسه لم يفهمها حق الفهم! وليس لهذا من دواء إلا أن يعنى الناشئ بتفهم ما يقرأه واستيعابه؛ حتى لا تزدحم في ذهنه صور شتى من المعاني مضطربة متناقضة، ولخير للإنسان أن يقرأ كتابا واحدا وأن يفهمه حق الفهم من أن يقرأ ألف كتاب قراءة عجلى لا تمكنه من استيعاب شيء مما قرأ.

الوعظ القصصي · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٢٢