تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن القراءة - كالغذاء - يجب أن يلائم صاحبه، وأن لا يزيد عن حاجة معدته، وإلا أصبح شرا عليه!

على أنني لا أريد أن أختم نصيحتي إليك، دون أن أشير إلى طريق سهلة تصل بها - إذا سلكتها - إلى الدقة، وتكون خير مرانة على الكتابة، وهي الترجمة إن كنت تعرف لغة أجنبية.»

الطالب : «كيف تشير علي بالترجمة، وقد سمعت الكثيرين يعيبون هذه الطريقة، ويقررون - تقرير المستيقن الجازم - أن الترجمة تضر أكثر مما تنفع، وأن خير الطرق لتعلم لغة هو تعلمها رأسا من غير وساطة الترجمة!»

الأستاذ : «لأنصار هذا المذهب كل الحق فيما يقولون، وأنا أدين بهذا الرأي أيضا، ويخيل إلي أنك لم تفهمه على وجهه الصحيح!

إن الترجمة لا تنفعك - بل تضرك - إذا حاولت أن تتعلم لغة أجنبية عن طريقها؛ لأنك تضطر إلى اصطناع أساليب لغتك التي ألفتها فيما تترجمه؛ فتفسد بذلك كتابتك!

وعلى العكس من ذلك، إذا أردت أن تترجم من لغة أجنبية إلى لغتك العربية فإنك تكتسب بذلك فوائد جمة متى ابتعدت عن خطر الترجمة الحرفية!

وإني أوجز لك فوائد الترجمة فيما يلي: (1)

أنها تطلعك على معان جديدة، وطرق في الأداء جديدة. (2)

أنها تدربك على البحث عما يؤدي هذه المعاني من العبارات التي تلائمها. (3)

أنها تعودك الدقة والإحكام في التعبير.

وحسبك بهذه الفوائد مغريا لك ومنشطا، ولا تنس أن الترجمة إلى لغتك القومية تشبه - من وجوه كثيرة - الطريقة التي اقترحتها عليك من قبل، وهي طريقة حل الشعر، كما أنها تشبه ما طلبته إليك، من صوغ ما تقرأه من كلام البلغاء الممتازين في لغتك في أسلوب يتناسب مع جماله ودقته وحسن أدائه!»

الطالب : «ألا يتفضل علي سيدي الأستاذ بإرشادي إلى قطعة بعينها من كلام البلغاء، أتخذها نموذجا أحتذيه، وأنسج على منواله؟»

الأستاذ : «حاول جهدك أن تقلد القطعة التالية مثلا - بعد أن تستوعبها قراءة وفهما - وهي لأشهر كتاب العربية «ابن المقفع»، ويجدر بك أن تتبع في محاكاتها الطريقة التي أسلفت لك شرحها، وإليك القطعة المنثورة: «زعموا أن ناسكا كان يجري عليه من بيت رجل تاجر في كل يوم رزق من السمن والعسل، وكان يأكل منه قوته وحاجته ويرفع الباقي، ويجعله في جرة فيعلقها في وتد في ناحية البيت حتى امتلأت، فبينما الناسك ذات يوم - مستلقيا على ظهره، والعكازة في يده، والجرة معلقة على رأسه - تفكر في غلاء السمن والعسل فقال: «سأبيع ما في هذه الجرة بدينار، وأشتري به عشرة أعنز؛ فيحبلن ويلدن في كل خمسة أشهر بطنا ؛ ولا تلبث إلا قليلا حتى تصير غنما كثيرة إذا ولدت أولادها.»

ثم حرر على هذا النحو بسنين؛ فوجد ذلك أكثر من أربعمائة عنز، فقال: «أنا أشتري بها مائة من البقر، بكل أربعة أعنز ثورا أو بقرة؛ وأشتري أرضا وبذورا، وأستأجر أكرة

2

وأزرع على الثيران، وأنتفع بألبان الإناث ونتاجها، فلا يأتي علي خمس سنين إلا وقد أصبت من الزرع مالا كثيرا؛ فأبني بيتا فاخرا، وأشتري إماء وعبيدا، وأتزوج امرأة جميلة ذات حسن؛ ثم تأتي بغلام سري نجيب، فأختار له أحسن الأسماء، فإذا ترعرع أدبته وأحسنت تأديبه، وأشدد عليه في ذلك، فإن يقبل مني، وإلا ضربته بهذه العكازة.»

وأشار بيده إلى الجرة فكسرها؛ فسال ما كان فيها على وجهه!

| هوامش

| في العام السادس1

كنت في العام الذي ولى صغيرا

غير أني أقرأ الآن الكتابا

وأجيد العد لا أخطئ فيه

وكذا أكتب ما يملي صوابا •••

كنت لا أجلس في الغالب إلا

ضاحك السن على ركبة أمي

كنت في خامس أعوامي فلما

صرت في السادس زاد الآن علمي •••

أذهب اليوم إلى مدرستي

حافظا درسي في كل نهار

في يساري جعبتي شاهدة

أنني صرت كبيرا ذا اعتبار •••

حينما ينطق أستاذي أصغي

واعيا ما قال، لا مفرطا

وهو مسرور بجدي، إذ أراه

دائما يبسم لي مغتبطا!

| جحيم دانتي1 وقصة «الكوميديا الإلهية»

الوعظ القصصي · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٢٣