الطالب : «كل ما تقوله حسن يا سيدي الأستاذ، فما فائدة هذا الكتاب الذي ألفته في فن الإنشاء؟»
الأستاذ : «أردت بذلك أن أسد الفراغ الذي يشعر به طالب ناشئ مر بهذا الدور من التعليم، ورأى عقم الطريقة التي يسلكونها معه للوصول إلى الدرجة العالية التي ينشدها في فن الإنشاء.
أردت - بهذا الكتاب - أن أضع للطلاب كتابا يعلمهم الإنشاء بأسلوب جديد في التربية، يخالف ذلك الأسلوب العقيم الذي ألفه مدرسو الإنشاء ومؤلفو الكتب في هذا الفن.
أردت أن أسلك بالناشئ منهجا مجديا نافعا، فلم أملأ رأسه بالقواعد النحوية والصرفية والبيانية وما إلى ذلك من الفنون التي لا تجديه في التفوق في الإنشاء ولا تغنيه أي غناء!
فإذا أردت أن تتعرف فائدة هذا الكتاب، فليس لي ما أقوله لك أكثر من أنه كتاب جمعت فيه عددا كبيرا من التمارين المختلفة لتدريب الطالب على الكتاب - أو بعبارة أدنى إلى فهمك - إنني هيأت في هذا الكتاب المواد الأولى التي لا غناء لمن يريد الكتابة عنها، كما تهيأ مواد البناء الأولية لمن يريد البناء. فلا بد من التمرين لمن يريد أن يتعلم هذا الفن، كما لا بد من الأحجار والملاط وما إلى ذلك لمن يريد بناء بيت.
لهذا عنيت بالتمرين كل العناية، وأكثرت منه كل الإكثار!
فليس لمدرس الإنشاء بد من أن يدرب تلاميذه على خلق الجمل مرة، وتحويرها مرة أخرى، وهذا ما فعلته، وقد عنيت بالإكثار من التمارين على استعمال الكلمات في مواضعها الحقة وبمعناها الصحيح، وفي هذا تدريب على تنظيم التفكير عند الناشئ أيضا.
وقد بذلت وسعي في تعويد الطالب الدقة في الأداء، وتدريبه على نثر الشعر، إلى آخر هذه التمارين النافعة!»
الطالب : «نثر الشعر! ماذا تعنيه بهذه الكلمة يا سيدي الأستاذ؟
إنني بحاجة إلى كثير من الإيضاح، فقد كنت - وما زلت - أسمع أن هذا النوع من التمارين قليل الخطر، إن لم أقل: إنه عقيم لا فائدة منه بتاتا!»
الأستاذ : «هذا رأى خاطئ، فليست تلك التمارين بمثل هذا الحد الذي يصفونها به من العقم، وليست تخلو من فائدة للطالب!»
الطالب : «وأية فائدة يجنيها الطالب من مثل هذه المحاولات؟»
الأستاذ : «إنها تعينه على ادخار محصول لغوي وفير، من المفردات والجمل معا؛ ولولاها لتضاءل محصوله واضمحل، وربما تلاشى، وهذه التمارين تعين الناشئ على استعمال ما في رأسه من الكلمات واجترارها اجترارا.
واعلم أن المرانة والتطبيق والعمل، يتوقف عليها وحدها كل شروط الحياة، ولا سبيل إلى تنمية ثروة مهملة، إلا أن تستعملها، ولن يزيد ما نملكه إلا إذا استعملناه وإلا تلاشى تلاشيا!
ولقد قالوا في أمثالهم: «الحاجة تفتق الحيلة.»
وقالوا: «كلما اشتدت الحاجة كان ذلك داعيا للاضلاع بجلائل الأعمال!»
الطالب : «ولكن ألا ترى يا سيدي الأستاذ أن من الخطل - إن لم أقل من الحماقة - أن نستبدل شعرا جميلا بنثر رديء، وأن نحول نظما رائعا إلى كلام منثور ركيك؟ وماذا تقول فيمن يعمد إلى مقطوعة نظمية لمؤلف كبير خبير بدقائق المعاني، ومرامي الأسلوب، وقوة الصياغة، وتخير العبارة، فيمسخها مسخا ويشوهها تشويها، ويحيلها إلى كلام سخيف مفكك الأسلوب ضعيف المعنى؟»
الأستاذ : «الحق معك في هذه النقطة وحدها، ولكن فائدة هذا العمل - رغم ذلك - لا يستطيع منصف أن يغفلها!»
الطالب : «أية فائدة نجنيها من المسخ والتشويه؟»
الأستاذ : «إنك - حين تتصدى لحل الشعر - إنما تبرهن لأستاذك - ولنفسك أيضا - أنك قد فهمت معنى القصيدة أو المقطوعة فهما، واستوعبتها استيعابا.
هذا إلى أنك تنمي بذلك محصولك اللغوي، وتمرن نفسك على استعمال كلمات جديدة، فيزيد بذلك محصولك اللغوي أيضا.»
الطالب : «هذا حق، ولكني أسمع أن في هذه الطريقة عيوبا ومآخذ يجب أن يتجنبها الطالب!»
الأستاذ : «لا جرم أن هناك كثيرا من العيوب، فإن لكل طريقة عيوبا ومحاسن. على أن أكبر عيب في هذه الطريقة يقع فيه الطالب، ويجدر به أن يبذل كل ما في وسعه لتلافيه، هو ما يسمونه «الحرفية».