أول ما نرمي إليه بتأليف هذا الكتاب هو أن نرسم لطالب الإنشاء خطة واضحة المحجة، ونبين له منهجا يترسم خطاه؛ ليصل إلى غايته رأسا، دون أن يضيع وقته عبثا في تمارين، لا نقول: إنها عديمة الفائدة فحسب، بل إنها - على الحقيقة - عائق يقف حجر عثرة في طريقه، ويحول دون نجاحه في الكتابة الصحيحة التي ينشدها.
أما التمارين التي نعنيها بهذا النقد فهي تمارين الإعراب، وتصريف الكلمات، وحل الجمل حلا لفظيا لا طائل تحته، فهذه - في نظرنا - وسيلة عقيمة بينة الخطل محققة الفشل، وهي كالمستنقع الضحضاح المملوء بالوحل، لا يستطيع السالك أن يسبح فيه أو يمشي.
ولبعض المؤلفين ولع شديد بإرهاق النشء بما يكدسه أمامهم من القواعد النظرية التي يحاول أن يقررها في أذهانهم ويجعل منها ضابطا لا معدي للطالب عنه ولا مفر من اتباعه، وليس ذلك من همنا، فلنترك النظريات التي يستحيل اتباعها عمليا مولين وجهنا شطرا آخر؛ فنعمل على أن نثبت أقدامهم، ونمكنهم من الكتابة التي تجمع بين الرشاقة والقوة، وتكون - إلى ذلك - خالصة من الشوائب دقيقة التعبير حسنة الأداء.
وللوصول إلى هذا طريق عملية واحدة؛ هي الإكثار من التمارين الإنشائية، إلى حد قد يظنه البعض غير ضروري، أو يرى فيه إسرافا لا داعي إليه - إسرافا في الجهود وإسرافا في الزمن - ولكن سلوك هذه الطريق الطويلة ضروري لا مناص منه، وليس طول الطريق دليلا على أن الطريق الأخرى - التي هي أقصر منها - خير منها.
ألا ترى إلى طالب العود أو البيانو؟ قل لي بربك: كم عاما يقضي في سبيل غايته؟ وكم من الزمن يمر عليه حتى يصل إلى درجة الإتقان، أو - على الأصح - حتى يدنو من درجة الإتقان؟
وإذا كان ذلك كذلك، فما بالك بمن يتطلع إلى إتقان الكتابة، والتصرف في فنون القول؟ ما بالك بمن تطمح نفسه إلى مثل هذا المطلب الوعر؟ وكم من السنين يجدر به أن يقضيها حتى يصل إلى غايته؟ «ومن يخطب الحسناء لم يغلها مهر.»
ما بالك بمن يريد أن يمتلك ناصية البيان، ويسمو بأسلوبه عن الركاكة، واللبس والتعقيد، وما إلى ذلك من عيوب الكتابة وصعاب اللغة، ويجمع - إلى ذلك - ذوقا فنيا عاليا.
أضف إلى ذلك أن من يريد أن يتعلم فن الإنشاء إنما هو - على الحقيقة - يريد أن يتعلم كيف يفكر، فهو في بحثه عن الكلمة الصحيحة الفصيحة، وتخيره الأسلوب الدقيق الأداء الموفق التعبير، يسلك كثيرا من شعاب القول وفنونه، ويمر بمنعرجاته ومنعطفاته الكثيرة، باحثا منقبا عن الفكرة المنشودة، متخيرا من بينها أمثل طريق، وهو بهذا يتعلم كيف يتعرف الخطأ والصواب، ويميز بين الحسن والأحسن، وكلما سار في هذه الطريق، تفتحت أمامه كنوز اللغة وفرائد المعاني، وكان مثله كمثل «سول» ذلك الفتى الذي تحدثنا الأساطير أنه ذهب يبحث عن جحوش أبيه وعيرانه فظفر بملك عظيم. (2) تمارين الإنشاء
أما تمارين الإنشاء فيجب أن تكون قصيرة، وأنا ألحف في الرجاء أن يعنى حضرات المدرسين بهذا الأمر كل العناية، وأن يجتنبوا دائما المقالات الطويلة، بل أن يحرموها على طلبتهم بتاتا؛ ذلك أنها منهكة لقواهم، مضيعة لوقت المدرسين بلا طائل، وهي - إلى ذلك - تعود الطلبة أن يجمحوا كثيرا، وربما تركوا جوهر الموضوع - كما يحدث ذلك أحيانا - وبعدوا عن أساسه. وشر عيوب الكتابة الشطط.
أضف إلى ذلك أن التطويل يعود الطالب الإهمال في صوغ عباراته بدقة، كما يعوده الإهمال في تخير الألفاظ؛ فلا ترى له إلا كتابة مفككة الأوصال، ركيكة التعبير، على حين أنه لو كتب موضوعا قصيرا لا يتجاوز عشرة أسطر - أحسن تنسيقها وعني بأدائها خير أداء - لكان ذلك أجدى عليه وأعود بالفائدة من كتابة موضوع مسهب في عشر صفحات قد رصفت فيه الكلمات رصفا بلا روية ولا إحكام. ويجدر بالمدرس أن يرشد الطالب إلى الطريق التي يسلكها ثم يدع له وحده تخير الجمل، وصقل الأسلوب.