أما الطالب فهو خليق أن يتخير من الموضوعات والمعاني ما يلائم تفكيره ويتناسب مع ميوله ومداركه؛ حتى يجيد أداءه.
ويجدر بالمدرس أن يصحح التمارين الإنشائية في الفصل - أمام التلاميذ - فإن ذلك أعون على توسيع مدارك الطالب وتنمية عقله، ثم ليقرأ الطالب موضوعه بصوت عال، وتبدأ المناقشة بين المدرس والطلبة في نقط الموضوع، وتبيان وجهات الخطأ والصواب فيه؛ فتتاح للطلبة فرصة الانتقاد، والأخذ والرد، والمناقشة، ويمتلئ الدرس حياة ونشاطا، ويتعود الطلبة الكلام والمحاجة منذ حداثتهم. (3) حوار شائق بين طالب ومدرس
طالب ناشئ يريد أن يصل إلى درجة عالية في فن الإنشاء، ويصبح قادرا على التعبير عن أغراضه بعبارة بليغة وأسلوب دقيق، وقد امتلأت نفسه بهذه الرغبة - التي تملكت عليه مشاعره - فلم يجد أمامه من يسترشد به في معرفة الطريق التي يسلكها للوصول إلى تحقيق غايته غير أستاذه، ولم يكد يوضح لأستاذه غرضه حتى دار بينهما الحوار التالي:
الطالب : «أريد أن أصل إلى درجة عالية في الإنشاء، وأن أصبح قادرا على الكتابة بأسلوب بليغ وعبارة مختارة، فما هي أقرب الطرق إلى ذلك؟»
المدرس : «إن غايتك التي ترمي إليها غاية نبيلة، ومطلبك الذي تسعى إلى تحقيقه مطلب سام جليل، فليس أبهج للنفس من القدرة على أداء الأغراض، والتعبير عن خوالج النفس بعبارة صحيحة بليغة، وسترى من إحكام لغتنا العربية، ووفرة أساليبها، ودقة تعبيرها ما يساعدك على إدراك طلبتك، فلقد تكون لغتنا أغنى لغة في العالم كله!»
الطالب : «ألا تنصح لي بقراءة شيء من الكتب التي ألفت في هذا الفن؟»
المدرس : «كلا كلا! لا حاجة بك إلى قراءة شيء من ذلك أبدا، أو - على الأقل - لا حاجة لك في هذه المرحلة الأولى التي تجتازها إلى قراءة تلك النظريات والقواعد البيانية والبلاغية وما إليها!»
إن كل ما تحتاجه الآن هو المرانة على الكتابة، والتعبير عن أغراضك بأسلوب عربي واضح، ولك أن تمارس ذلك في أي يوم تشاء أو في كل يوم.
وأحب أن أقص عليك تلك الحكاية المشهورة التي يروونها عن سيدة فرنسية كانت مربية لأولاد «لويس الرابع عشر» ملك فرنسا العظيم، لترى فيها المثال الذي أريد أن أنبهك إليه، وخلاصة هذه القصة أن تلك المربية سألت ولدا من أبناء لويس الرابع عشر - هو الدوق دي مين - أن يكتب إلى أبيه كتابا، فقال لها مدهوشا: «أمثلي يستطيع ذلك وأنا لا أعرف كيف أخط جملة واحدة منه؟»
فقالت له المربية: «ألست تفكر في أبيك أحيانا؟»
فقال: «أفكر فيه كثيرا، وأحزن لغيبته الطويلة عني أشد الحزن!»
فقالت له: «هذا حسن! هذا حسن! اكتب له ذلك إذن!
ولكن خبرني، أهذا هو كل ما تفكر فيه؟ ألا تشعر بشيء آخر؟»
فقال: «نعم؛ أود أن أراه، وسأكون سعيدا جدا إذا عاد إلينا من سفره!»
فقالت له: «ها هو كتابك قد تم إنشاؤه، ولم يبق عليك إلا أن تكتب له ذلك وتجعل له افتتاحا وختاما؟»
فقال لها متعجبا: «ما كنت أحسب أن كتابة الرسائل بمثل هذه السهولة! فقد كنت أتخيل أن من يريد كتابة رسالة جدير أن يملأها بألفاظ لغوية، وجمل منمقة لا يقدر على الإتيان بها إلا كبار البلغاء وأساطين الكتاب!»
فقالت له: «لا حاجة بك إلى شيء من هذا، وليس عليك إلا أن تكتب ما تشعر به بأسلوب واضح، وكلمات سهلة بسيطة!» •••
ولعلك تتبين من هذا المثال الخطة التي أريد أن أرسمها لك لتنتهجها في فن الإنشاء.»
الطالب : «وما رأي سيدي الأستاذ في القواعد النحوية، والتمارين الصرفية وما إلى ذلك، ألست مضطرا إلى معرفتها؛ لمراعاتها أثناء الكتابة؟»
المدرس : «كلا، لست في حاجة إلى ذلك كله؛ فستعرف الشيء الكثير منها أثناء الطريق. وأنت - إذا ملأت ذهنك بتلك القواعد في هذه المرحلة، وشغلت نفسك بها - كان مثلك كمثل من يود أن يتعلم المبارزة فيذهب إلى قاعة التمرين حيث يقلدونه حساما؛ فيترك العناية بما جاء لأجله من التدريب إلى الاشتغال بالنظر إلى حسامه وكيفية وضعه، وربما عثر به أثناء التفكير فيه.