تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأغرب الملك في الضحك وتبعه رجال حاشيته في ذلك مجاراة له، ولم يفت أحد ظرفاء ذاك العصر أن ينظم أغنية جميلة ضمنها تلك النادرة!

وقد شغل الناس بالحديث عن ذلك الكسوف زمنا ما؛ فنسوا كل كلام سواه، وعلقوا على صدورهم شارات رمزوا بها إلى الكسوف، وصنعوا ألوانا من الحلوى أطلقوا عليها اسم الكسوف؛ منها رقاقة ابتكرها تاجر من تجار الحلوى أسماها «رقاقة الكسوف»، وهي رقاقة بيضاء مغطاة بطبقة سوداء من الشكولاته، رمزا إلى نور الشمس المكسوف، كما مثلوا على المسارح كوميديا ذات ثلاثة فصول اسمها كوميديا الكسوف!

وفي هذا أكبر دليل على مقدار ما وصل إليه ابتهاج المتأخرين بالكسوف واحتفائهم بوقوعه. •••

على أن الفلكيين كانوا في حاجة إلى الاستزادة من الدرس؛ فأخذوا يترقبون بفارغ الصبر وقوع كسوف آخر.

ومضى على ذلك ثلاثة أرباع قرن سهلت في أثنائها المواصلات، وأصبح من اليسير على العلماء أن يسافروا إلى أي مكان يقع فيه الكسوف، فلم يفتهم أن يذهبوا إلى أواسط فرنسا لمشاهدة كسوف 8 يوليو 1842، ولمشاهدة الكسوف الذي وقع في «الماليزيا» و«الهند» في 18 أغسطس سنة 1868. ورحل العلماء من كل صوب لرؤية الكسوف الذي وقع في إسبانيا وشمال أفريقيا في 30 أغسطس سنة 1905، وكان كسوفا كليا توفروا على درسه بروية واطمئنان.

وفي السابع عشر من شهر إبريل سنة 1912؛ وقع في فرنسا كسوف لا يقل خطره عن كسوف سنة 1724 الذي أسلفنا ذكره؛ فخف سكان باريس وغيرهم إلى مشاهدته في الضواحي؛ لا سيما في منطقة «سان جرمان».

فضل الطيران على رجال الفلك

ولا يفوتنا أن نذكر - قبل ختام هذا المقال - أولا فضل أداة الطيران لرجال الفلك، وكيف أعانهم على درس الكسوف الذي وقع في 10 سبتمبر سنة 1923 في «كاليفورنيا»؛ حيث ذهب العلماء من أقاصي الأرض رغبة في درسه، ولقد كاد يعتريهم الخبال ويستسلمون لليأس؛ حين رأوا الضباب يحجب عنهم السماء وشمسها فلا يتبينون شيئا، ولكن العلماء تمكنوا بفضل الطيارات من اجتياز هذه العقبة؛ فحلق سرب مؤلف من سبع عشرة طيارة إلى ارتفاع خمسة آلاف متر، ثم تمكنوا من رؤية السماء، وتصويرها، ونجحوا في إدراك ما يبتغون.

ومع تلك الدجنة الحالكة التي سببها الضباب، فإن العلماء لم يوفقوا في حياتهم إلى مثل ما وصلوا إليه في هذه المرة - بفضل الطيران - من النتائج الباهرة!

8

| هوامش

| آلام الفقير1

سألني الغني: «مم يتألم الفقير؟» فأجبته أن اتبعني - حيث أقودك - وأنا الكفيل بإقناعك! •••

كنا في المساء، وكان منظر الطرقات - التي تراكمت على أرضها الثلوج - يدعو إلى الانقباض والوحشة، وكنا مرتدين لباسا سميكا أحكمنا دثاره لشدة البرد، ولكن ذلك لم ينقذنا من قشعريرته.

وإذا بشيخ مسن مررنا به في طريقنا، ولم يكن في رأسه إلا خصل قليلة من الشعر الأبيض، فسألته: «ما الذي أخرجك من بيتك؟ وماذا تعمل في هذه الليلة القرة؟»

فأجابنا: «حقا إنها ليلة قاسية البرد؛ ولكنني لم أجد وقودا في بيتي فاضطررت إلى مغادرته واستجداء الناس المعونة.» •••

ورأينا طفلة صغيرة عارية القدمين، تسأل الناس بصوت مرتفع جريء، فسألتها: «وماذا تصنعين هنا في هذه الريح الصرصر؟»

فقالت: «إن أبي لا يستطيع مغادرة البيت الآن؛ فقد ألزمه المرض فراشه، وثم اضطررت إلى الخروج أستجدي الناس لعلي أحصل على بلغة

2

من العيش.» •••

ورأينا امرأة جالسة على صخرة تستريح، وعلى صدرها طفلة، وفوق ظهرها أخرى، فسألتها: «وما الذي أخرجك في هذه الريح العاتية؟»

فالتفتت إلى طفلها الذي كان من خلفها، وأمرته أن يكف عن صياحه، ثم قالت لنا: «إن زوجي جندي طوح به القدر إلى مكان قصي، فلم أجد مندوحة عن الذهاب إلى الكنيسة متكففة.» •••

وهنا ألتفت إلى صاحبي الغني - الذي وقف حينئذ واجما - وقلت له: لقد سألتني: «مم يتألم الفقير؟».

الوعظ القصصي · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ١٤