تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

عبدة القمر: «وأما عبدة القمر، فقد زعموا أنه ملك من الملائكة يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي والأمور الجزئية فيه، ومنه تتضح الأشياء المتكونة واتصالها إلى كمالها، وبزيادته ونقصانه تعرف الأزمان والساعات، وهو تلو الشمس وقرينها، ومنها نوره، وبالنظر إليها زيادته ونقصانه.

ومن سنتهم أن اتخذوا صنما - على صورة عجل - وبيد الصنم جوهر. ومن دينهم أن يسجدوا له ويعبدوه، وأن يصوموا النصف من كل شهر ولا يفطروا حتى يطلع القمر، وهم يأتون صنمه بالطعام والشراب واللبن، ثم يرغبون إليه، وينظرون إلى القمر ويسألونه حوائجهم، فإذا استسهل الشهر علوا السطوح، وأوقدوا الدخن، ودعوا عند رؤيته ورغبوا إليه، ثم نزلوا عن السطوح إلى الطعام والشراب والفرح والسرور، ولم ينظروا إليه إلا على وجوه حسنة.

6

وفي نصف الشهر إذا فرغوا من الإفطار؛ أخذوا في الرقص واللعب والمعازف بين يدي الصنم والقمر».

5

كيف كانوا يدفعون عنهم نكبات الخسوف والكسوف

وهكذا كثرت الإشاعات، وتعددت الأوهام، فلم تسلم منها أمة قديمة من سكان المعمورة كلها.

أما الوسائل التي كانوا يدفعون بها تلك النكبات الموهومة التي يترقبون وقوعها زمن الخسوف أو الكسوف فهي كثيرة؛ أهمها أنهم كانوا يتظاهرون - رجالا ونساء - ثم يحدثون أقصى ما يستطيعون من جلبة وضوضاء؛ ليخيفوا تلك الجبابرة - أو المردة - التي تحاول التهام الشمس أو القمر، فكنت ترى - في حيثما ذهبت - رجلا يحمل معه طنبورا أو بوقا، وإلى جانبه امرأة أو فتاة معها دف - أو ما يقوم مقامه إن أعوزها الدف

7 - وربما ربط بعض الأمم كلابهم وانهالوا عليها جلدا بالسياط بكل ما فيهم من قسوة حتى يرتفع عواؤها إلى عنان السماء.

أما الصينيون فكانوا يضيفون إلى ذلك خروج جنودهم إلى ساحات الفضاء متنكبين أقواسهم فلا يزالون يطلقون سهمامهم - بلا انقطاع - رغبة في إنقاذ الكوكب المخسوف.

وقد كان بعض المتقدمين يعلل الخسوف والكسوف - فيما يقول مؤرخو اليونان والمشارقة - بأنه ناجم من طوفان أتي من الجحيم؛ فغمر الشمس أو القمر وسبب الكسوف، وكان هذا الاعتقاد يدفعهم إلى دق النواقيس - في كل مكان - استنزالا للرحمة، وطردا لتلك الأرواح الشريرة التي سببت لهم هذا البلاء.

وكان من عادة الإيطاليين أن يلجئوا إلى ذلك حتى في أوقات اشتداد العواصف. ولم يكن الفرنسيون أقل هلعا من غيرهم عند حدوث الكسوف، فلم تكد تنكسف الشمس في يوم 16 يونية سنة 1406 حتى انخلعت قلوبهم من الذعر، وهرع جمهورهم إلى الكنائس معتقدين أن آخرة العالم قد حانت، مؤثرين أن يموتوا في الكنائس شهداء أبرارا، ولم يكن رعبهم من الكسوف الذي وقع في شهر أغسطس من عام 1654 بأقل من سابقه، ولقد مرض لويس الرابع عشر ملك فرنسا العظيم مرضا خطيرا بسبب ما لحقه من الرعب من كسوف 3 مايو سنة 1715

وكان ذلك خاتمة الحوادث التي أثارها الكسوف والخسوف، ثم استنار الناس وعلموا حقيقة هذه الظاهرة، فلم يعد يخشاها أحد! (2) ابتهاج المتأخرين بهما

ولم يكد يتقدم علم الفلك حتى عرف الناس ما لم يكونوا يعرفون، وأدركوا ما في تلك الأساطير من خطل؛ فتبدل خوفهم أمنا وطمأنينة، ماذا؟ بل انقلب الأمر من النقيض إلى النقيض؛ فأصبحوا يترقبون - بفارغ الصبر - رؤية الكسوف والخسوف، وآية ذلك ما أظهروه من الغبطة والفرح بالكسوف الذي وقع في باريس يوم 22 مايو من سنة 1724؛ فقد حدث ذلك قبيل الغروب، وكان بدؤه في الساعة 5:35:18 مساء، وقبل أن تنقضي ساعة أصبح الكسوف تاما، وغطيت صفحة الشمس كلها بظلام دامس؛ فبدل النهار ليلا حالك الإهاب، وظهرت النجوم في السماء، ولكن فرح الجمهور المتلهف لم يطل، فقد أرخى الليل سدوله - بعد دقيقتين - قبل أن يتملى الناس برؤية هذا المنظر الرائع - منظر خروج الشمس من ذلك الظلام الحالك الذي غطى صفحتها - فقد توارت عن العيان، ومالت إلى الأفق الغربي بين أسف الجمهور ولهفته، وكان رجال البلاط قد أعدوا عدتهم لرؤية ذلك الكسوف، وجلسوا في أعلى مكان في القصر الملكي - ومعهم نظاراتهم الفلكية - وفي وسطهم الملك الشاب «لويس الخامس عشر»، وكانت سنه حينذاك أربعة عشر عاما، وجلس إلى جانبيه الفلكيان الشهيران اللذان يعدان أكبر رجال الفلك في ذلك العصر؛ وهما «جاك كاسيني» و«جاك مور الدي»، فكان لويس يشهد ذلك الكسوف من خلال مرقب كبير أمامه، وكان يسمع منهما غرائب ما يشرحان له من طرائف علم الفلك بأذن سميعة وقلب واع، ولم يكد ينتهي ذلك الكسوف حتى أعقبته فكاهة طريفة ظلت حديث عصره ردحا من الزمن: فقد رأى الملك سيدتين من سيدات البلاط تقبلان في اللحظة التي غربت فيها الشمس، فقال لهما مازحا: «لقد فاتكما هذا الكسوف، فانتظرا الكسوف التالي بعد قرنين.» ولكن إحداهما ابتدرته قائلة بسذاجة نادرة: «كيف؟ ألا يستطيع «كاسيني» الفلكي إذا أمرته جلالتكم أن يعيد لنا تلك الظاهرة من جديد؟»

الوعظ القصصي · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ١٣