تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق أن رؤساء القوم قد ساورهم القلق حين سمعوا منه هذا الوعيد، وتملك نفوسهم ذعر غامض لا يعرفون كنهه، فقد كانوا يخشون سطوة هؤلاء البيض الذين جابوا الأرض والمحيط حتى وصلوا إليهم، على أنهم أخفوا ذلك القلق، وأظهروا «لكولمب» كثيرا من التجلد؛ إذ لم يدر بخلدهم أن قوته - مهما عظمت - تستطيع أن تغير من نظام الشمس أو القمر؛ فخرجوا من عنده يهزون أكتافهم ساخرين.

فلما حانت الليلة التالية ورأوا بأعينهم ضوء القمر يتضاءل ثم يتلاشى بعد ذلك خلع الذعر قلوبهم؛ فأسرعوا ضارعين إلى «كولمب» أن يرفع عنهم تلك النقمة. وبهذه الحيلة ظفر «كولمب» بكل ما يحتاجه من الزاد بعد أن وعدهم بإرجاع الضوء إلى القمر في الحال، وما كادوا يبصرون البدر مؤتلقا زاهيا في السماء بنوره الفضي حتى آمنوا بقدرة «كولمب» وهيمنته على عناصر الطبيعة كلها.

2

أمثلة من خرافات المتقدمين

ولقد كان المتقدمون - سواء منهم الغربيون والشرقيون - يذعرون أشد الذعر كلما وقع كسوف أو خسوف، وكان للخرافات عندهم سوق رائجة؛ وإليك بعض ما كانوا يتناقلونه ويؤمنون بصحته من تلك الأساطير:

كان يعتقد بعضهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا إذا وقعا فريسة لشرير من العمالقة أو المردة التي تسعى لالتهامهما، فكان «الأوريون» ينسبون ذلك إلى مارد عملاق اسمه «مابويا»، يعزون إليه كل ما يصيبهم من شر أو يحل بأرضهم من طوفان أو بلاء، بينما يتخيل «الهندوس» أن ذلك المارد على صورة حية هائلة، ويعتقد جيرانهم أنه نمر غاية في الضخامة، ويتمثله آخرون كلبا عظيم الجرم من كلاب البحر؛ أما أهالي سومطرة وملقا فكانوا يدينون بأن القمر والشمس لا ينكسفان إلا لأن حية كبيرة تلتف حول أحدهما لتخنقه.

3

وفي أساطير بعض الأمم «أن الشمس والقمر امرأتان، وأن النجوم بنات القمر، وأن الشمس قد كان لها في غابر الزمان بنات كبنات القمر.»

قالوا: «ثم خشيتا

4

أن يعجز الناس عن احتمال كل هذا النور والحرارة؛ فاتفقتا على أن تأكل كل منهما بناتها، أما القمر فنكثت بعهدها، وأخفت بناتها عن عين الشمس التي برت بوعدها ولم تتردد في أكل بناتها، على أنها لم تكد تفعل حتى أظهرت القمر بناتها من مخبئهن؛ فلما رأت الشمس ذلك غيظت من القمر، وأنشأت تطاردها لتقتلها، ولا تزال كذلك إلى اليوم، وقد تدنو منها فتعضها وهذا هو الخسوف.»

رأي الهنود في النيرين «ومن سنة بعض حكماء الهنود - فيما يقول الشهرستاني - أنهم إذا نظروا إلى الشمس قد أشرقت سجدوا لها، وقالوا: «ما أحسنك من نور ! وما أبهاك وما أنورك! لا تقدر الأبصار أن تلذ بالنظر إليك!

فإن كنت أنت النور الأول الذي لا نور فوقك فلك المجد والتسبيح، وإياك نطلب، وإليك نسعى لندرك السكنى بقربك، وننظر إلى إبداعك الأعلى، وإن كان فوقك وأعلى منك نور آخر - أنت معلول له - فهذا التسبيح وهذا المجد له، وإنما سعينا وتركنا جميع لذات العالم لنصير مثلك، ونلحق بعالمك، ونتصل بمساكنك. إذا كان المعلول بهذا البهاء والجلال فكيف يكون بهاء العلة وجلالها ومجدها وكمالها؟! فحق لكل طالب أن يهجر جميع اللذات ليظفر بالجوار بقربه، ويدخل في غمار جنده وحزبه».

5

وفي الهند فرقتان تعبد إحداهما الشمس، والأخرى القمر:

عبدة الشمس: «فأما عبدة الشمس - كما يقول الشهرستاني - فقد زعموا أن الشمس ملك من الملائكة، ولها نفس وعقل، ومنها نور الكواكب وضياء العالم، وتكون الموجودات السفلية، وهي ملك الفلك يستحق التعظيم والسجود والتخير والدعاء.

ومن سنتهم أن اتخذوا إليها (صنما) بيده جوهر - على لون النار - وله بيت خاص باسمه، وقفوا عليه ضياعا وقرابين، وله سدنة وقوام، فيأتون البيت ويصلون ثلاث كرات، ويأتيه أصحاب العلل والأمراض فيصومون له ويصلون ويدعون ويستشفون به».

الوعظ القصصي · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ١٢