فإذا كان لا بد لهم أن يحفظوا شيئا يتندرون به من كلام أبي العلاء ليتمموا به سلسلة محفوظاتهم الأدبية، فأمامهم بضع قصائد قالها في أول حياته الأدبية - في كتاب سقط الزند - وتبرأ منها في مقدمته؛ كقوله مثلا:
إذا خفقت لمغربها الثريا
توقت من أسنته اغتيالا
وقوله:
ولو أن الرياح تهب غربا
وقلت لها: «هلا» هبت شمالا
وأقسم لو غضبت على ثبير
لأزمع عن محلته ارتحالا
وقوله:
يذيب الرعب منه كل عضب
فلولا الغمد يمسكه لسالا
وقوله:
وكأن الهلال يهوى الثريا
فهما للوداع معتنقان
وقوله:
وعلى الأفق من دماء الشهيدي
ن - علي ونجله - شاهدان
إلى آخر ذلك الهذر والعبث الذى يلائم مزاج تفكيرهم وأسلوبهم. •••
على أنهم سيجدون - حتى في هذه القصائد الأولى وأشباهها - بضع أبيات فلسفية رائعة تبغضهم في شعر أبي العلاء، وتستدر نقمتهم على أدبه!
ولكن ما لنا ولهذه الفئة الأمية الفكر الحقيرة الشأن، وقد أوشكت تنقرض وسمعنا صوت احتضارها الخافت، لا شأن لنا بهم بعد أن اكتسحت نهضتنا المباركة أكبر زعمائهم - فيما اكتسحته - وستأتي على الباقين منهم في القريب العاجل!
فلنترك إذن هذه الفئة تحتضر، ولنغتبط برواج الأدب الحي، وانتشار الفن الصحيح بين أبناء الشرق الناهض، فليس أدعى إلى الاغتباط من نفاد طبعات ثلاث من هذا السفر الأدبي النفيس، وشدة الإلحاح المتواصل في طلبه.
وما أجدر الأدباء بذلك، وما أجدر الأدب العلائي أن يجذب إليه أنظار المفكرين في هذا العصر الناهض الحافل بالجد والحياة! وأخلق بذلك الإقبال أن يتخذ دليلا لا يقبل الشك، على صدق نهضة الشرق، وعنايته بالأدب الصحيح، والفن العالي!
وفي بعض هذا ما يفسح مجال الأمل في رقيه، ويدعو إلى التفاؤل الصادق بنجاح سعيه، وإدراك غايته النبيلة التي يسعى إليها بخطواته السديدة، فقد فرغ الباحثون من التدليل على أن كل نهضة لا تعتمد على الأدب زائفة وشيكة الإخفاق، وأن الأدب الصادق أساس كل نهضة حقة، ورائد كل حركة قومية منتجة. •••
وأي أدب أصدق من الأدب العلائي الذي يحوي لب اللباب، ويشرح أخفى الخوالج الإنسانية، ويوضح أدق وأسمى إحساسات النفوس العالية؟
| ظلي1
أنت يا ظلي رفيق عمري
أنت يا ظلي عجيب الأمر
كم تطول
ثم تبدو غاية في القصر
أو تزول
ثم تعدو - بعدها - في أثري •••
إن ظلي مشبهي كل الشبه
كلما استيقظت ألفيه انتبه
قافزا خلفي - طورا - وأمامي
صامتا لم يدر ما معنى الكلام
حركاتي كلها يأتي بها
لا يبالي سهلها من صعبها •••
أنت قد حيرتني في أمري
أنت خلفي - حين أجري - تجري
أنت - إن أبطئ - بطيء السير
أي نفع لك؟ لست أدري
| الخسوف والكسوف 1
(1) ذعر الأقدمين منهما - وبضع أساطير الأولين عنهما
لا نكاد نسمع - في هذه الأيام - بقرب حدوث خسوف أو كسوف؛ حتى نترقبه بفارغ الصبر، فإذا وقع اندفعنا إلى رؤيته متهافتين تحفزنا الرغبة العلمية الصحيحة، أما في غابر الأزمان فقد كان للناس شأن آخر - على نقيض ذلك - إذ لم يكونوا يفهمون لحدوثهما معنى؛ إلا الإنذار بوقوع نكبات وويلات عاجلة.
أثر الخسوف في جيش الإسكندر
ولقد كاد يتحتم الفشل على الإسكندر في موقعة «إربل»، وكاد يكتب لجيشه الخذلان بسبب الخسوف؛ إذ جن الليل، وخسف القمر على مرأى من رجال الجيش الذين أيقنوا أنه نبوءة صادقة بالهزيمة؛ فدب الخوف في قلوبهم، وسرى الوهن والفتور إلى عزائمهم، لولا ما بذله الإسكندر من جهد في تسكين روعهم، وإعادة الحماسة إليهم، وليس هذا إلا مثلا واحدا لما كان يسود الناس في تلك الأزمان من الأوهام التي نجمت عن جهلهم علم الفلك، وقوانين الطبيعة.
أثر الخسوف في نجاح كولمب
ويذكر لنا المؤرخون الذين كتبوا عن اكتشاف أمريكا، أن «خرستوف» مدين بحياته وحياة رجاله لعلم الفلك، ولولاه لماتوا جوعا، فقد نفدت ذخيرتهم في «جمايكا»، وضن عليهم الأهلون بالزاد لما كانوا يشعرون به من الكراهية لهؤلاء الغرباء، وكان «كولمب» يعلم أن القمر لا بد أنه مخسوف في الليلة التالية؛ فجمع رؤساء العشائر وخطبهم متوعدا إياهم بشر النكبات إذا أصروا على عنادهم وأبوا أن يلبوا طلبته، ومما قاله لهم: «سترون غدا مبلغ سلطاني على الطبيعة؛ حين أبدأ بحرمان بلادكم ضوء القمر!»