تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون، فاعتزم أن تعتدل، فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل، فان أبيت فاعتزم عزما وامض قدما فيه.

فإذا تفرق القوم قال عمرو:

والله يا أمير المؤمنين لأنت أعز علي من ذلك، ولكن قد علمت أن سيبلغ الناس قول رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا.

أيخفى عليك ما في هذا الاعتذار من المكر والدهاء؟ •••

وانظر إلى كيده وهو يصيح بعثمان على ملأ من الصاخبين المتمردين الذين وقف يخطبهم عثمان:

يا أمير المؤمنين

إنك قد ركبت نهابير

14

وركبناها معك، فتب نتب.» ولا تنس مناقشته الجريئة لعثمان التي ذكرها الطبري في الجزء الخامس (ص108) وأحب أن ترجع إليها.

ولقد حدثنا المؤرخون أنه خرج حتى نزل منزله بفلسطين فكان يقول: «والله إن كنت لألقى الراعي فأحرضه عليه.»

15

معاوية

16

فلما جاء معاوية الكتاب تربص به وكره إظهار مخالفته أصحاب رسول الله.

المؤرخون

ولعلك تعجب من ذكر معاوية في هذا المقام، ولكن مم العجب، وأقل ما يقال في هذا الداهية أنه كان يستطيع إنقاذ عثمان من القتل وأنه أضاع هذه الفرصة عمدا وفاق خطة مرسومة.

لقد استنجد به عثمان، لينقذه من مخالب الموت، ولكن شبح الخلافة لاح لمعاوية فتباطأ عن نصرة عثمان، وأنساه عرض الدنيا الزائل وزخرفها الكاذب واجب الوفاء والنجدة.

قالوا: لما رأى عثمان ما قد نزل به وما قد انبعث عليه من الناس كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد، فإن أهل المدينة قد كفروا، وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة، فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول.

قالوا: «فلما جاء معاوية الكتاب تربص به وكره مخالفة أصحاب الرسول. وقد علم اجتماعهم.»

وليس بخفي على أحد مغزى هذا الكلام وسر امتناعه عن نصرة أحق الناس بنصرته.

17

ومن تهكمات القدر وعجائب الأيام ومضحكات العبر أن يحرض ابن العاص على قتل عثمان ويتخلى معاوية عن نجدته، ثم يطالبان بدمه علي بن أبي طالب الذي أخلص له النصيحة وأبان له طريق النجاة واضحا فتنكبه.

| هوامش

| مصرع علي

«هم ضربوا حيدرا

1

ساجدا

وحسبك من عمر إذ طعن»

أبو العلا (1) تمهيد

من ذكر عليا

2

فقد ذكر أسمى الصفات الإنسانية؛ النزاهة، الاستقامة، الشجاعة، الصراحة، النبل، القوة، الفطنة.

وإن أوجز ما يقال في علي أنه اقتبس أكبر قسط من أخلاق النبوة، وعرف كيف يستفيد من أخلاق الرسول.

ربما قال قائل: «ولكن عليا كان شديد البطش، وقد ألف الناس من ليونة عثمان ما جعلهم ينفرون من شدة علي.»

ذلك حق، وليت عليا - رضي الله عنه - تريث قليلا فلم يعزل بعض الولاة ويهم بعزل الباقين قبل أن يستتب له الأمر، وتستقر له الخلافة، ولكنها الصراحة تأبى عليه أن يعلن خلاف ما يضمر، والغيرة على الحق تدفعه إلى الذود عنه، جالبا عليه من عداوة الناس ما جلب!

كان عثمان لينا فأطمع لينه الناس فيه، وكان «علي» شديدا فانتفع خصومه بهذه الشدة، فاستمالوا الناس إليهم بما أتوه من دهاء وحذق، وحسبك أن تعلم أي قوتين هائلتين من قوى العالم النادرة كانتا تناوئانه لتلتمس له ألف عذر!

لقد تعاونت سياسة معاوية، ودهاء ابن العاص، على استغلال صراحة علي واستقامته، فلم يتركا وسيلة من وسائل المكر والحيلة إلا سلكاها، ولا دعوى من دعاوى الكيد إلا أذاعاها، حتى أوهما أنصارهما أنه قاتل عثمان، وأنه مستميت في طلب الخلافة، بل نحلاه ما هو أكثر من ذلك وأشنع، وألصقا به من الصفات ما يعلمان علم اليقين أنه أبعد الناس عنه، وأشدهم براءة منه.

حسب القارئ أن يذكر المثال التالي، ليعرف مدى دعايتهما ومقدار ما تحدثه مثل هذه المفتريات في نفوس الناس وفي إلهاب قلوبهم حماسا وبغضا لعلي!

قال بعض من شهد تلك المعارك الهائلة: «فإنهم لكذلك إذ خرج عليهم فتى شاب وهو يقول:

مصارع الخلفاء · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الخلفاءص ٧