تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا منشوره الذي كتب به في الأمصار ينبئ عن ضعفه وفرط لينه، إذ يقول: «والله لأفرشنكم عرضي، ولأبذلن لكم صبري، ولأستصلحنكم بجهدي، فلا تدعوا شيئا كرهتموه، ولا يعصى الله فيكم إلا استعفيتم منه؛ أنزل فيه عندما أصبتم حتى لا يكون على حجة!»

ومتى لان الخليفة للناس إلى هذا الحد صعب إرضاؤهم ووقف أطماعهم عند غاية لا يعدونها. (4-2) بطانة عثمان ونصحاؤه

أما بطانة عثمان ونصحاؤه فكان أكثرهم مداهنا؛ له مآرب يسعى إلى تحقيقها - كلفه ذلك ما كلفه - وكان بعض نصحائه أحمق، مكروها من الناس، ولنلم مسرعين بأهم نصحائه والمشيرين عليه، الذين لا يسع من يقرأ مصرع عثمان إلا أن يطيف بذهنه ما قام به كل منهم من الدور الخطير الذي أدى إلى مصرعه.

ونبدأ بأولهم:

مروان الأحمق

فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة!

نائلة زوج عثمان

أقل ما نصف به مروان الحماقة والاندفاع، فهو وحده أكبر دليل على صدق المثل القائل «عدو عاقل خير من صديق جاهل» وعلى صحة قول ابن عبد القدوس:

ما يبلغ الأعداء من جاهل

ما يبلغ الجاهل من نفسه

حسب القارئ أن يعلم أن مروان هذا استطاع بحمقه وحمق أصحابه أن يوغر نفس «علي» على عثمان، قال ابن العباس:

وقد كان علي له

10

صاحب صدق، حتى أوغر نفس علي عليه، جعل مروان وسعيد وذووهما يحملونه على «علي» فيحتمل ويقولون: «لو شاء ما كلمك أحد.»

وذلك على أن عليا يكلمه وينصحه ويغلظ عليه في المنطق في مروان وذويه فيقولون لعثمان: «هكذا يستقبلك وأنت إمامه وسلفه وابن عمه وابن عمته؟ فما ظنك بما غاب عنك منه؟»

قالوا: «فلم يزالوا بعلي حتى أجمع ألا يقوم دونه.» •••

والحق أن عليا بذل النصح لعثمان وأبان له الخطة الرشيدة وأنقذه من مآزق محرجة ولكن:

متى يبلغ البنيان يوما تمامه

إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

ولقد قال علي قولته الشهيرة التي تدل على تألمه الشديد من تردد عثمان: «وما يريد عثمان أن ينصحه أحد، اتخذ بطانة أهل غش ليس منهم أحد إلا قد تسبب بطائفة من الأرض يأكل خراجها ويستذل أهلها.»

وهذه الجملة على شدتها فيها كثير من الصدق، وإن كان في آخرها شيء من المغالاة. •••

وماذا يصنع علي بعد أن هدأ ثائرة الناس وخفف من غلوائهم إذ أعطاهم عثمان مهلة ثلاثة أيام، فلما انتهت واجتمعوا على بابه، مثل الجبال - كما يقول المؤرخون - قال عثمان لمروان: «اخرج فكلمهم فإني أستحي أن أكلمهم.»

قالوا: فخرج مروان إلى الباب - والناس يركب بعضهم بعضا - فقال: «ما شأنكم؟ قد اجتمعتم كأنما قد جئتم لنهب؟ شاهت الوجوه، كل إنسان آخذ بأذن صاحبه! جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟ اخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم أمر لا يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا!» •••

فكانت هذه الخطبة - المملوءة حمقا ورعونة - شرارة شديدة الأثر في إلهاب نار الثورة.

11

ولئن كان مروان قد أفلح في إثارة الناس ضد عثمان بهذا الاندفاع السخيف، فقد أفلح أيضا في إغضاب «علي» وتخليه عن الدفاع عن عثمان بعد أن قال له قولته المأثورة:

أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا في نفسه! وايم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائد - بعد مقامي هذا - لمعاتبتك، أذهبت شرفك وغلبت على أمرك.

12

وقد صدق علي؛ فقد أورده مروان ثم لم يصدره، وكان هذا آخر لقاء بين علي وعثمان رضي الله عنهما!

عمرو بن العاص

أنا أبو عبد الله إذا حككت فرحة نكأتها، إن كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان.

عمرو بن العاص

13

ولعل هذه الجملة تمثل بوضوح - لا مزيد عليه - مقدار حقد ابن العاص عليه. وكثيرا ما تظاهر له بمظهر الناصح سرا ثم جبهه علانية، ألا ترى إليه يستشيره عثمان - في جماعة من صحبه - فيقول له عمرو:

مصارع الخلفاء · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الخلفاءص ٦