ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له - على ما أحببتم أو كرهتم - ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم علي.
عثمان
أجملنا في الفصل السابق الأسباب التي أدت إلى مصرعه ووعدنا بتفصيل أهمها في هذا الفصل، ونحن ننجز وعدنا الآن:
أول الأسباب التي انتهت بعثمان - رضي الله عنه - إلى هذه الخاتمة المفجعة ضعفه الشديد ولين جانبه وفرط حيائه.
لقد كان - رضي الله عنه - ذكيا فطنا عارفا بأخلاق الناس، ولكن الإرادة القوية والعزيمة الجريئة والبطش بالمذنبين، وإغفال الرحمة، ونسيان كل اعتبار في سبيل تثبيت الأمن وتوطيد دعائم الملك، والمضي في إنفاذ خطة جلية حازمة وتطبيق سياسة بعينها، هذه هي الخلال التي كانت تنقصه، وهي وحدها الخلال الجديرة بكل حاكم يريد توطيد ملكه وتثبيت دعائمه.
لم تغب عنه صفات عمر ومزاياه الباهرة، ولا غفل عن تقليده في كثير من أموره، ولكن نقصته شخصية عمر القاهرة الجبارة التي تهابها الناس وتلبي رغباتها وتنحني أمامها خاضعة. وتنفذ إشارتها راضخة. وتخشى أن تحيد عنها قيد أنملة حتى لا تقع تحت طائلة عقابه، أو يصيبها قصاصه الذي لا ينجو منه مخطئ ولا يفلت منه مسيء.
وما لنا نحاول وصف عثمان وقد رسم لنا علي - رضي الله عنه - صورة ناطقة لم تدع بعدها غاية لواصفيه إذ يقول له: «الناس ورائي وقد كلموني فيك. ووالله ما أدري ما أقول لك وما أعرف شيئا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه.
إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه. وما خصصنا بأمر دونك، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ونلت صهره. وما ابن قحافة «أبو بكر» بأولى بعمل الحق منك ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك.»
إلى أن يقول: «فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر من عمى، وتعلم من جهل، وإن الطريق لواضح بين ...» فإذا اعتذر عثمان إليه بأنه يقتفي أثر عمر أجابه «علي» إجابته الموفقة إذ يقول: «سأخبرك أن عمر بن الخطاب كان كل من ولي فإنما يطأ على صماخه، إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية. وأنت لا تفعل. ضعفت ورفقت على أقربائك.»
فإذا ذكر له عثمان أن معاوية كان ممن ولاه عمر مدة خلافته كلها وأنه يقتدي كذلك بعمر في توليته، أبان له «علي» الفرق بين العملين، فقال: «أنشدك الله! هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر، من «يرفأ» غلام عمر؟»
قال: «نعم».
قال علي: «فإن معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت تعلمها؛ فيقول للناس: «هذا أمر عثمان.» فيبلغك ولا تغير على معاوية!» •••
ولعل في هذه الجمل أبلغ شرح يلمس منه القارئ مواطن الضعف في عثمان رضي الله عنه، التي أطمعت فيه سواه، وأدت إلى استهانة الناس بأمره!
أمثلة من جرأة الناس عليه
ولقد وصل اجتراء الناس عليه إلى أبعد الغايات.
فهذا رجل يشتمه وهو يخطب الناس على عصا النبي في جمع حاشد، ويصيح به: «قم يا نعثل
4
فانزل عن هذا المنبر!»
5
ثم يأخذ العصا فيكسرها على ركبته. •••
وذلك
6
يمر به عثمان، وهو جالس في ندى من قومه، في فناء داره، ومعه جامعة
7
فيسلم عثمان فيرد القوم، فيقول ذلك الرجل: «لم تردون على رجل فعل كذا وكذا.»
ثم يقبل على عثمان فيقول له: «والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه!»
وتدور بينهما مناقشة
8
يقرع فيها الخليفة أشد تقريع ويجترئ عليه أقبح اجتراء.
وهذه مؤامرة مجرمة يكشف أمرها فيحاج أفرادها - بغير السيف - ثم يطلق سراحهم فيؤلبون عليه الثوار ويكونون أول من يرفع علم الثورة في وجهه.
9
وتلك جماعة تحصبه وهو يخطب، فإذا خر صريعا حمل إلى منزله، وهذا ابن العاص يفاخره ويتطاول عليه فلا يدع له مجالا للقول، وتنتهي المناقشة بانكسار عثمان.