تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان طاهر لا تلوح له فرصة إلا أسرع إلى انتهازها، وقد رأيت ما أبداه من صنوف الحزم في حربه مع «علي بن عيسى» وليست هذه العجالة بموفية شيئا من مواهبه وميزاته الباهرة. (8-5) نكبة بغداد

ولا يسعنا أن نختم هذه الكلمة دون أن نشير إلى نكبة بغداد - التي اقترنت بمصرع الأمين - فقد لقي أهلها من صنوف العذاب ما لا قبل لإنسان باحتماله، ونحن ندع الوصف إلى شعرائها الذين شهدوا ما حل بها ورأوا بأعينهم ما أصاب أهلها من الروع والفزع.

فمن ذلك قول بعض فتيان بغداد:

بكيت دما على بغداد لما

فقدت غضارة العيش الأنيق

تبدلنا هموما من سرور

ومن سعة تبدلنا بضيق

أصابتها - من الحساد - عين

فأفنت أهلها بالمنجنيق

فقوم أحرقوا بالنار قسرا

ونائحة تنوح على غريق

وصائحة تنادي «واصباحا»

وباكية لفقدان الشقيق

وحوراء المدامع ذات دل

مضمخة المجاسد بالخلوق

تفر من الحريق إلى انتهاب

ووالدها يفر إلى الحريق

ينادين: «الشفيق» - ولا شفيق -

وقد فقد الشفيق من الشفيق

وقوم أخرجوا من ظل دنيا

متاعهم يباع بكل سوق

ومغترب قريب الدار ملقى - بلا رأس - بقارعة الطريق

توسط من قتالهم جميعا

فما يدرون من أي الفريق

فلا ولد يقيم على أبيه

وقد هرب الصديق بلا صديق

ومن ذلك قول «العتري».

من ذا أصابك يا بغداد بالعين

ألم تكوني - زمانا - قرة العين؟

ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم

وكان قربهم زينا من الزين؟

صاح الغراب بهم بالبين فافترقوا

ماذا لقيت بهم من لوعة البين؟

أستودع الله قوما ما ذكرتهم

إلا تحدر ماء العين من عيني

كانوا، ففرقهم دهر وصدعهم،

والدهر يصدع ما بين الفريقين

وقال آخر

9

في وصف وقعة:

10

وقعة يوم الأحد

صارت حديث الأبد

كم جسد أبصرته

ملقى، وكم من جسد

وناظر كانت له

منية بالرصد

أتاه سهم عاثر

فشك جوف الكبد

وصائح «يا والدي»

وصائح: «يا ولدي»

وكم غريق سابح

كان متين الجلد

لم يفتقده أحد

غير بنات البلد

وكم فقيد بئس

عز على المفتقد

إلى أن قال:

لم يبق في كهل لهم

فات، ولا من أمرد

و«طاهر» ملتهم

مثل التهام الأسد

خيم لا يبرح في ال

عرصة مثل اللبد

تقذف عيناه - لدى ال

حرب - بنار الوقد •••

فقائل: «قد قتلوا

ألفا، ولما يزد»

وقائل: «أكثر، بل

ما لهم من عدد»

وهارب نحوهم

يرهب من خوف غد

ثم قال بعد أبيات:

قلت لمطعون وفي

ه روحه لم تؤد: «من أنت يا ويلك يا

مسكين من محمد؟»

فقال: «لا من نسب

دان، ولا من بلد»

لم أره قط ولم

أجد له من صفد»

وقال: «لا للغي قا

تلت، ولا للرشد

إلا لشيء عاجل

يصير منه في يدي» •••

ولعل أبدع وأحفل قصيدة قرأناها في وصف هذه النكبة المروعة التي حلت ببغداد هي قصيدة «الخزيمي» التي نختتم بها هذا الفصل وهي - على طولها - آية من آيات البلاغة وصدق الشاعرية ودقة الوصف، ونحن نختار منها ما يلي:

جنة دنيا، ودار مغبطة

قل من النائبات واترها

درت خلوف الدنيا لساكنها

وقل معسورها وعاسرها

فانفرجت بالنعيم وانتجعت

فيها بلذاتها حواضرها

فالقوم منها في روضة أنف

أشرق - غب القطان - زائرها

من غرة العيش في بلهنية

لو أن دنيا يدوم عامرها •••

دار ملوك رست قواعدها

فيها، وقرت بها منابرها

أهل العلى والثرى وأندية الفخ

ر، إذا عددت مفاخرها

أفراخ نعمى في إرث مملكة

شد عراها لها أكابره

فلم يزل - والزمان ذو غير -

يقدح في ملكها أصاغرها

حتى تساقت كأسا مثملة

من فتنة، لا يقال عاثرها

وافترقت - بعد ألفة - شيعا

مقطوعة بينها أواصرها

يا هل رأيت الأملاك ما صنعت

إذ لم يزعها بالنصح زاجرها

أو رد أملاكنا نفوسهم

هوة غي أعيت مصادرها

ما ضرها لو وفت بموثقها

واستحكمت - في التقى - بصائرها

ولم تسافك دماء شيعتها

وتبتعل فتنة تكابرها

وأقنعتها الدنيا التي جمعت

لها ورغب النفوس ضائرها

إلى أن يقول:

يا هل رأيت الجنان زاهرة

يروق عين البصير زاهرها؟

وهل رأيت القصور شارعة

تكن مثل الدمى مقاصرها؟

وهل رأيت القرى التي غرس الأم

لاك مخضرة دساكرها؟

مصارع الخلفاء · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الخلفاءص ٢٢