تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالوا: ثم دفعت إليه قيدا من فضة وقالت: «إن صار في يدك فقيده بهذا القيد.» فقال لها: «سأقبل أمرك وأعمل في ذلك بطاعتك.»

وهكذا يذهب صاحبنا وهو يحسب أنه قد أسر طاهرا أو كاد، ويبدي من صنوف الغرور ما لا قبل لإنسان بوصفه.

فقد كان يقال له: إن طاهرا مقيم بالري يعرض أصحابه ويرم آلته.

فيضحك ثم يقول: «وما طاهر؟ فوالله ما هو إلا شوكة من أغصاني أو شرارة من ناري، وما مثل طاهر يتولى على الجيوش ويلقى الحروب؟»

ثم يلتفت إلى أصحابه قائلا: «والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف إلا أن يبلغه عبورنا «عقبة همذان»، فإن السخال لا تقوى على النطاح، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسد، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرض لظباة السيوف وأعنة الرماح.» •••

فإذا وصل «علي بن عيسى» إلى «عقبة همذان» استقبل قافلة قدمت من «خراسان» فسألهم عن الخبر فقالوا له: «إن طاهرا مقيم بالري وقد استعد للقتال واتخذ آلة الحرب وإن المدد يترى عليه من خراسان وما يليها من الكور، وإنه في كل يوم يعظم أمره ويكثر أصحابه وإنهم يرون أنه صاحب جيش خراسان.»

فلا يكاد يسمع منهم ذلك حتى يهزأ بأقوالهم ويبدي لهم كل ما يستطيع أن يبديه من صنوف الاحتقار لطاهر وقوته، وإذا بلغ الري وقال له صاحب مقدمته: «لو كنت أذكيت العيون وبعثت الطلائع، وارتدت موضعا تعسكر فيه وتتخذ خندقا لأصحابك يأمنون به كان ذلك أبلغ في الرأي وآنس للجند.»

أجابه صاحبنا هازئا: «ليس مثل طاهر يستعد له بالمكايد والتحفظ، إن حال طاهر تئول إلى أحد أمرين: إما أن يتحصن بالري فيبهته أهلها فيكفونا مؤنته، أو يخليها ويدبر راجعا لو قربت خيولنا وعساكرنا منه وأتاه يحيى بن علي.»

ويقول له صاحب مقدمته: «اجمع متفرق العسكر واحذر على جندك البيات، ولا تسرح الخيل إلا ومعها كنف من القوم، فإن العساكر لا تساس بالتواني، والحروب لا تدبر بالاغترار، والثقة أن تحترز، ولا تقل: «المحارب لي طاهر» فالشرارة الخفية ربما صارت ضراما، والثلمة من السيل - ربما اغتر بها وتهون - فصارت بحرا عظيما. وقد قربت عساكرنا من طاهر، فلو كان رأيه في الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا.»

فيجيبه صاحبنا على هذه النصيحة الثمينة المملوءة حكمة وتعقلا وإخلاصا، بقوله الطائش المغرور: «اسكت فإن طاهرا ليس في هذا الموضع الذي ترى، وإنما تتحفظ الرجال إذا لقيت أقرانها، وتستعد إذا كان المناوئ لها أكفاءها ونظراءها.» •••

وهكذا يمعن صاحبنا في غروره وصلفه واعتداده بنفسه بينما عدوه «طاهر» لا يترك وسيلة من وسائل الحيطة وإحكام الدفاع وترتيب الخطط إلا سلكها، ويأبى القدر إلا أن يعيد لنا حكاية الأرنب والسلحفاة الشهيرة حين تراهنا على السباق إلى غاية، وأهمل الأرنب اعتمادا على قوته، وجدت السلحفاة لتعوض من ضعفها ففازت عليه وسبقته.

8

وقد كان من نتائج هذه المعركة أن قوي بأس المأمون وعز مركزه وتكاثرت عليه وفود المهنئين.

وقد أعلن في ذلك اليوم خلع أخيه ودعا لنفسه بالخلافة في جميع كور خراسان وما يليها.

وأرجف الناس ببغداد وضعف مركز الأمين، وندم أشد الندم على محاربة أخيه وما بدأه به من الغدر.

وعرف قواد الأمين أنه شديد الحاجة إلى اصطناع الرجال فاتفقوا مع الجند على إحداث الشغب ليصطنعهم بالمال، ولا يكاد الجند يشتبكون مع جنود القصر حتى يكفهم الأمين ويأمر لهم بما طلبوه من الأرزاق ويصل قوادهم وخواصهم بما يشتهون، فتكون هذه فاتحة الثورات العديدة التي جلبتها هذه الهزيمة الشنعاء. (8-4) شجاعة طاهر

أما شجاعة طاهر فقد كانت تتمثل في كل مواقفه المشرفة التي تجلت في هذه الحروب الطاحنة، فقد كان يشرف على كل شأن - جل أو حقر - من شئون جيشه، ويتعرف كيف يستميل إليه جنوده ويغري جنود الأعداء بالانضمام إليه.

مصارع الخلفاء · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الخلفاءص ٢١