يقظة طاهر وبعد همته.
أضف إلى ذلك عناية المأمون بتخيره قواده وأصحاب الرأي، وإلى تحمس الفرس وتعصبهم للمأمون وما أبداه أنصاره منهم من الاستماتة في نصرته. في حين كان الأمين مخلدا بثقته إلى جماعة من المتملقين وقصار النظر وأصحاب الخلاعة والمجون. (8-1) غدر الأمين
أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أول الخلفاء نكث عهده ونقض ميثاقه واستخف بيمينه ورد رأي الخليفة قبله.
يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذبك ولم يغشك من صدقك. لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر مخذول، والناكث مفلول.
عبد الله بن خازم
5
ولكن الأمين أبى إلا أن يصم أذنيه عن نصيحة الناصحين، وتملكه الطمع في ملك أخيه، والاستسلام إلى الفضل بن الربيع فبدأ بالغدر بأخيه القاسم فعزله ثم تطلع إلى عزل المأمون بعده.
ولقد استشار القواد - واحدا بعد الآخر - فحذروه سوء العاقبة، ولكنه أصر على إنفاذ خطته الخاطئة التي أوردته موارد الحتف، وكانت خير مثل يلقاه الباغي المعتدي. (8-2) الفضل بن الربيع
وعلم أن الخلافة - إن أفضت إلى المأمون يوما وهو حي - لم يبق عليه وكان في ظفره عطبة.
المؤرخون
وهكذا لم يترك الفضل بن الربيع وسيلة من وسائل الإغراء إلا سلكها حتى أقنع الأمين بوجوب الإغارة على ما في يد أخيه من ملك وعزله والدعاء لابنه بدله، كما يقولون.
فقد فكر الفضل بن الربيع - بعد مقدمه من العراق على محمد - أن ينكث بالعهود التي أخذها عليه الرشيد لابنه المأمون.
قالوا: وعلم أن الخلافة إن أفضت إلى المأمون يوما - وهو حي - لم يبق عليه وكان في ظفره به عطبة.
فسعى في إغراء محمد به وحثه على خلعه وصرف ولاية العهد به من بعده إلى ابنه موسى، ولم يكن ذلك من رأي محمد ولا عزمه، بل كان عزمه الوفاء لأخويه عبد الله والقاسم .
قالوا: فلم يزل الفضل يصغر - في عينيه - شأن المأمون ويزين له خلعه. •••
وهكذا بدأ الأمين أخويه بالغدر.
فعزل أخاه القاسم عما وليه من الأعمال وأقدمه إلى بغداد وكتب إلى عماله بالدعاء لابنه موسى. فعلم المأمون أن أخاه يدبر في خلعه، فقطع البريد عنه.
وانضم قوم إلى المأمون فأكرم وفادتهم وأعد عدته لمناضلة أخيه، وبث العيون والأرصاد وعرف كيف يحصن مواقعه ويحتاط للطوارئ.
6 •••
وقد قال أحد شعراء بغداد قصيدة يندد فيها بالأمين ويذكر فيها تشاغله فيه بلهوه وبطانته وركونه إلى الفضل بن الربيع.
أضاع الخلافة غش الوزير
وفسق الإمام وجهل المشير
ففضل وزير وبكر مشير
يريدان ما فيه حتف الأمير
إلى آخر هذه القصيدة التي لا نسمح لأنفسنا بإثباتها في هذا المقام لما فيها من شناعة التعبير.
7 (8-3) علي بن عيسى
أما «علي بن عيسى» فقد عرف كيف يفسر لنا قول صالح بن عبد القدوس:
ما يبلغ الأعداء من جاهل
ما يبلغ الجاهل من نفسه
فقد كان الظفر له محققا لولا استسلامه للغرور والحمق واستهانته بأمر طاهر، ولم يكن يرتاب أحد في انتصاره، ولكن للقدر تصاريف عجيبة.
ألا ترى إلى «أم جعفر» تعتقد أن أمر المأمون قد انتهى وتتمثل هزيمته كأنها أمر واقع لا سبيل إلى تلافيه، فتشفق من مصيره، وتوصي «علي بن عيسى» الذي عقد له الأمين على خمسين ألف فارس وراجل من أهل بغداد لمحاربة المأمون فتقول له: «يا علي، إن أمير المؤمنين - وإن كان ولدي - إليه تناهت شفقتي وعليه تكامل حذري، فإني على عبد الله منعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنما ابني ملك نافس أخاه في سلطان.»
ثم تقول: «فاعرف لعبد الله حق والده وإخوته ولا تجبهه بالكلام - فإنك لست نظيره - ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد ولا غل ولا تمنع منه جارية ولا خادم. ولا تعنف عليه في السير ولا تساوه في المسير. ولا تركب قبله ولا تستقل على دابتك حتى تأخذ بركابه وإن شتمك فاحتمل منه، وإن سفه عليك فلا تراده.»