دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل السلطان عن ملك
قد زال سلطانه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا
ليس بفان، ولا بمشترك •••
فقال لها: «قومي، غضب الله عليك ولعنك.»
وكان له قدح من بلور حسن الصنعة، وكان موضوعا بين يديه، فتعثرت الجارية به فكسرته، فقال: «ويحك يا إبراهيم! أما ترى ما جاءت هذه الجارية، ثم ما كان من كسر القدح؟ والله ما أظن أمري إلا قد قرب!»
فقلت: «يديم الله ملكك، ويعز سلطانك، ويكبت عدوك.» فما استتم الكلام، حتى سمعنا صوتا:
قضي الأمر الذي فيه تستفتيان .
فقال: «يا إبراهيم أما سمعت ما سمعت؟»
قلت: «ما سمعت شيئا.» وكنت قد سمعت.
قال: «تسمع حسا.»
فدنوت من الشط، فلم أر شيئا، ثم عاودنا الحديث، فعاد الصوت بمثله، فقام من مجلسه مغتما إلى مجلسه بالمدينة.
قال: «فما مضى إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل!» (3) يوم الوداع
قالوا: ودعا بابنيه، فضمهما إليه، وقبلهما وبكى، وقال: «أستودعكما الله عز وجل.» ودمعت عيناه فمسح دموعه بكمه.
ثم جاء راكبا إلى الشط، فإذا حراقة «هرثمة» فصعد إليها فأحسن هرثمة لقاءه.
وهنا بغتهم أصحاب «طاهر» في الزواريق، فنقبوا الحراقة فغرقت بهم بعد أن رموهم بالآجر والنشاب، وسقط «الأمين» إلى الماء فشق ثيابه؛ حتى خرج إلى الشط حيث قبض عليه. (4) ذلة العزيز
قال من رآه: لما ذهب من الليل ساعة رأيت الباب قد فتح، وأدخلوا الأمين - وهو عريان - وعليه سراويل وعمامة وعلى كتفه خرقة خلقة.
فتركوه معي، فاسترجعت وبكيت فيما بيني وبين نفسي فسألني عن اسمي فعرفته.
فقال: «ضمني إليك فإني لأجد وحشة شديدة.»
قال: «فضممته إلي، وإذا بقلبه يخفق خفقانا شديدا.»
فقال: «يا أحمد ما فعل أخي؟»
قلت: «هو حي.»
قال: «قبح الله بريدهم، كان يقول قد مات!» (وكأنما قال ذلك معتذرا من محاربته)
فقلت: «بل قبح الله وزراءك!»
فقال الأمين: «ما تراهم يصنعون بي، أيقتلونني، أم يفون لي بأمانهم؟»
فقلت: «بل يفون لك.»
وجعل يضم الخرقة على كتفه، فنزعت مبطنة كانت علي، وقلت: «ألق هذه عليك.»
فقال: «دعني، فهذه من الله عز وجل - في هذا الموضع - خير كثير.» فبينما نحن كذلك، إذ دخل علينا رجل، فنظر في وجوهنا فاستثبتها؛ فلما عرفته انصرف، وعلمت أن الأمين مقتول. (5) الساعة الرهيبة: عند منتصف الليل
قال: فلما انتصف الليل - أو قارب - فتح الباب، ودخل الدار قوم من العجم معهم السيوف مسلولة،
2
فلما رآها قام قائما، وجعل يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت والله نفسي في سبيل الله، أما من حيلة؟ أما من مغيث؟ أما من أحد من الأبناء؟» •••
وجاءوا حتى وقفوا على باب البيت الذي نحن فيه، وجعل بعضهم يقول للبعض «تقدم» ويدفع بعضهم بعضا
3
وقام الأمين، فأخذ بيده وسادة وجعل يقول: «ويحكم، أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي.» (6) دفاع اليائس
فدخل عليه رجل منهم، فضربه بالسيف ضربة، وقعت في مقدم رأسه، وضربه الأمين بالوسادة على وجهه، وأراد أن يأخذ السيف منه. فصاح. «قتلني! قتلني!» (7) كيف صرع الأمين
وهنا دخل منهم جماعة، فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته. وركبوه؛ فذبحوه من قفاه. وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى طاهر، وتركوا جثته!
فلما كان السحر، أخذوا جثته فأدرجوها في جل، وحملوها فنصب طاهر الرأس على برج، وخرج أهل بغداد للنظر، وطاهر يقول: «هذا رأس المخلوع محمد.»
4 (8) الأسباب التي أدت إلى مصرعه
أما الأسباب التي أدت إلى هذه الخاتمة المروعة فهي كثيرة تضيق هذه الإلمامة السريعة عن استيعابها غير أننا نذكر منها الأسباب التالية: (1)
نكث الأمين وغدره بأخيه المأمون. (2)
حقد الفضل بن الربيع على المأمون وإلحافه في إغراء الأمين بنقض بيعته. (3)
إهمال علي بن عيسى وغروره بنفسه. (4)