تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان من أكبر الطامحين إلى الخلافة أسرتان عظيمتان، الأسرة العلوية والأسرة العباسية، وكان كل منهما يدعو إلى نفسه، وقد فطن العباسيون إلى ما في ذلك من تفرق الكلمة، مع حاجتهم إلى الاتحاد ضد عدوهم المشترك، فأعملوا جهودهم في حل هذه العقدة، حتى وفقوا إلى حيلة عجيبة - كما يقول الأستاذ نيكلسون - واهتدوا إلى نداء شامل تنضوي تحته دعوتا الأسرتين.

فالعلويون أبناء علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم!

والعباسيون أبناء العباس بن عبد المطلب بن هاشم.

فالعباس وعبد المطلب أعمام النبي يلتقيان معه في جدهم هاشم، ففيم الخلاف وتشتيت الكلمة؟ لتكن الدعوة إذن باسم جدهم هاشم. وقد نجح العباسيون في هذه الحيلة حتى إذا أدركوا غايتهم، انفردوا بالأمر وحدهم. (3) أسباب أخرى

بقي هناك أسباب كثيرة أخرى لا يتسع المقام لتفصيلها فلنجتزئ بذكر أهمها، وهي: (1)

توفق العباسيين إلى أبي مسلم الخراساني الذي قام بأكبر قسط في تنشيط الدعوة إلى العباسيين. (2)

ترفع الأمويين عن مخالطة الأجناس الأخرى غير العرب، وإطلاقهم عليهم اسم الموالي، مما يبغضهم فيهم وجعلهم ينضمون إلى مناوئيهم ليتخلصوا من دولتهم المبغضة إليهم. (3)

تغالي الأحزاب المناصرة لآل البيت والشيعة وما تركه شعر دعاتهم من الأثر الديني في نفوسهم (اقرأ شعر الكميت مثلا).

فإذا أضفنا إلى ذلك ما أسلفنا ذكره من الفتن الداخلية: (1)

التي أشعل نارها يزيد ضد الوليد. (2)

التي أشعل نارها مروان الجعدي ضد يزيد. (3)

التي أشعل نارها سليمان بن هشام ضد مروان.

وزدنا على ذلك تخاذل الأمويين في موقعة الزاب وسوء رأي مروان الجعدي وقواده، سهل علينا فهم الأسباب التي أودت بهذه الدولة العظيمة وأزالتها من عالم الوجود.

| هوامش

| مصرع الأمين

ويا دهر لحاك الله

ما هنأت فرحانك

أبو العلاء

فنخسه واحد بالسيف في خاصرته، وركبوه وذبحوه من قفاه.

المؤرخون (1) حلم الأمين

قال الأمين:

رأيت في منامي كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء، عريض الأساس، لم أر مثله في الطول ولا في العرض، وعلي سوادي ومنطقتي وسيفي، وكان «طاهر» في أصل ذلك الحائط، فما زال يضربه حتى سقط وسقطت، وطارت قلنسوتي عن رأسي. (2) في أواخر أيامه

وهكذا امتلأت نفس «الأمين» بالهواجس - في يقظته وفي نومه - فأصبح لا يهدأ له بال ولا يقر له قرار، بعد أن حصره «طاهر» وأخذ عليه الأبواب ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما.

1

وليس أصدق - في تمثيل ما وصل إليه من الرعب والفزع - من هذا الحلم.

على أن «الأمين» قد حاول أن يرفه عن نفسه أو يذهل عن حقيقة موقفه، فلم يستطع إلى ذلك سبيلا، وأبى القدر المحتوم إلا أن يتضافر كل شيء على إزعاجه وتكدير صفوه!

قال إبراهيم بن المهدي: خرج الأمين - ذات ليلة - يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر له بناحية «الخلد» ثم أرسل إلي فحضرت عنده، فقال: «ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر في السماء، وضوءه في الماء على شاطئ «دجلة»، فهل لك في الشرب؟»

فقلت: «شأنك».

فشرب رطلا، وسقاني آخر، ثم غنيته ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: «ما تقول فيمن يضرب عليك؟» فقلت: «ما أحوجني إليه!»

فدعا بجارية متقدمة عنده اسمها «ضعف».

فتطيرت من اسمها ونحن في تلك الحال، فقال لها: «غني».

فغنت شعر الجعدي:

كليب لعمري كان أكثر ناصرا

وأيسر جرما منك، ضرج بالدم

فاشتد ذلك عليه، وتطير منه، وقال: «غني لنا غير ذلك.»

فغنت:

أبكي فراقكم عيني، فأرقها

إن التفرق للأحباب بكاء

ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم

حتى تفانوا، وريب الدهر عداء

فقال لها: «لعنك الله! أما تعرفين من الغناء غير هذا؟!»

فقالت: «ما تغنيت إلا ما ظننت أنك تحبه.» ثم غنت آخر:

أما ورب السكون والحرك

إن المنايا كثيرة الشرك

ما اختلف الليل والنهار، وما

مصارع الخلفاء · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الخلفاءص ١٨