ولعل أحدا لا يجهل أبياته الصادقة التي ختم بها إحدى كتبه التي بعث بها إلى مروان الجعدي، حين رأى انتشار الدعوة لبني العباس وذيوعها في خراسان سنة 129، وهي قوله:
أرى خلل الرماد وميض جمر
فأحج بأن يكون لها ضرام
فإن النيران بالعودين تذكى
وإن الحرب مبدؤها الكلام
فقلت من التعجب «ليت شعري
أأيقاظ أمية، أم نيام!
ولكن بني أمية كانوا نياما عن عدائهم، منهمكين في إشباع شهواتهم الحقيرة، مشتغلين بالانتقام بعضهم من بعض، لا هم لهم إلا التباغض وإثارة الفتن الداخلية بينهم، حتى جاءهم أمر الله فأمحى ملكهم من المشرق، وقضى عليهم قضاء مبرما في سنة 132ه. وصدق قول القائل: «ولكل أهل بيت مشائيم يغير الله النعمة بهم ولن ينتقل سلطان قوم قط إلا في تشتيت كلمتهم!» كما صح فيهم قول من قال: «أوتيت ملكا، فلم أحسن سياسته
كذاك من لا يسوس الملك يخلعه» (1-2) موقعة الزاب سنة 132ه
كل شيء قاتل
حين تلقى أجلك
ليس أدل من هذه الموقعة على الفوضى الضاربة أطنابها في جيش الأمويين والتخاذل الشامل وسوء الرأي، فقد تجلت في هذه الموقعة صفات النذالة والإحجام في أكثر الجيش الأموي واضحة جلية، كما تجلى فيها ارتباك مروان وخوره وتوانيه في رسم خطة يسير عليها جيشه قبل أن يلتحم في المعركة، وكان لإحجام قواده ومخالفتهم أوامره أسوأ النتائج وأبعد الأثر في هزيمتهم الشاملة، أما «الوليد بن معاوية بن مروان» صهر الجعدي، فقد ذكرتنا حماقته وتهوره بصهر عثمان - رضي الله عنه - وما أبداه من خرق في مخالفة رأيه.
لقد أمر «الجعدي» جيشه ألا يبدأ القتال وقر رأيه على ذلك.
ولكن صهره الأحمق «الوليد بن معاوية» بدأ القتال فحمل على الميمنة فاشتبكت الحرب - على رغم الجعدي - واستعرت فجأة أيما استعار، ونفذ قضاء الله.
وهنا يسرع «مروان الجعدي» بعد أن نفذ السهم فيقول لقضاعة: «احملوا!» فيقولون له: «قل لبني عامر فليحملوا.»
فيرسل إلى «السكون» أن احملوا فيقولون: «قل لغطفان فليحملوا.»
فيقول لصاحب الشرطة: «انزل!» فيجيبه: «والله ما كنت لأجعل نفسي غرضا.»
فيقول له الخليفة متوعدا: «أما والله لأسوءنك».
فيجيبه صاحب الشرطة هازئا: «وددت والله أنك قدرت على ذلك.»
وثم زاد ارتباك مروان، وتعاظم خباله؛ أمام جيش الخراسانيين فكان - كما يقول المؤرخون - لا يدبر شيئا إلا كان فيه الخلل والفساد.
أراد أن يشجع رجال جيشه وهم يقتتلون فأمر بأموال فأخرجت وقال للناس: «اصطبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم.»
فانعكست الآية، وتهافتت فئة منهم على ذلك المال فجعلت تصيب منه.
فلما قالوا له: «إن الناس قد مالوا عن هذا المال، ولا تأمنهم أن يذهبوا به.» أراد أن يتدارك هذا الخطأ، فوقع فيما هو شر منه؛ فقد أرسل إلى ابنه «عبد الله» أن يسير في صحابته إلى مؤخر عسكره فيقتل من أخذ من ذلك المال ويمنعهم! فماذا كانت النتيجة؟
رأى الناس «عبد الله» وقد مال برايته وأصحابه فحسبوهم مولين؛ فصاحوا «الهزيمة»، فكانت الهزيمة الشاملة!
وبمثل هذه التصرفات العجيبة المربكة الخاطئة اندحر الجيش الأموي وانهزم مروان في موقعة «الزاب» شر هزيمة.
قالوا: «وقطع الجسر، فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل.» (1-3) فرار الخليفة
كذبتم أمير المؤمنين لا يفر.
قالوا: «وانهزم مروان حتى وصل مدينة الموصل، فناداهم أهل الشام «هذا مروان!» فقالوا: كذبتم أمير المؤمنين لا يفر. (1-4) طريق الفرار
ولكن أمير المؤمنين قد فر وأمعن في فراره، فما يكاد يستقر بموضع حتى تداهمه طلائع العدو، فيغادره هاربا إلى موضع آخر.
فر إلى «حران» فأقام بها نيفا وعشرين يوما، ومضى منهزما حتى مر بقنسرين و«عبد الله بن علي» متبع له، ثم هرب مروان إلى «حمص» فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم شخص منها وهو مرعوب منهزم، ومضى حتى مر بدمشق وتركها حتى قدم «فلسطين» وتابع فراره حتى وصل إلى مصر. (1-5) مطاردته في مصر