وإذا صدق القائل:
هذي العصا من هذه العصية
لا تلد الحية إلا حية!
فما أصدق هذا القول، وما أشد انطباقه على الوليد وأبيه معا، فقد حدثنا المؤرخون عن نزعة أبيه إلى اللهو والقصف، وشغفه بحبابة المغنية واشتهاره بذكرها، بما فيه من الكفاية، قالوا:
كان يزيد «أبو الوليد» قد حج أيام سليمان أخيه، فاشترى «حبابة» بأربعة آلاف دينار، فقال سليمان: «لقد صممت أن أحجر على يزيد!»
فلما سمع يزيد ردها فاشتراها رجل من أهل مصر.
فلما أفضت الخلافة إليه قالت له امرأته «سعدة»: «هل بقي من الدنيا شيء تتمناه؟»
فقال: «نعم، حبابة!» قالوا:
فأرسلت فاشترتها وصنعتها، وأتت بها يزيد، وأجلستها من وراء الستر.
فقالت: «يا أمير المؤمنين، أبقي من الدنيا شيء تتمناه؟»
قال: «أعلمتك.»
فرفعت الستر وقالت: «هذه حبابة.» وقامت وتركتها عنده فحظيت سعدة عنده وأكرمها!
وقال يوما، وقد طرب بغناء حبابة: «دعوني أطير.» وأهوى ليطير.
فقالت: «يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجة!» فقال: «والله لأطيرن.» فقالت: «فعلى من تدع الأمة والملك؟» قال لها: «عليك والله.» وقبل يدها، فخرج بعض خدمه وهو يقول: «سخنت عينك ما أسخفك!»
قالوا: «وخرجت معه إلى ناحية الأردن يتنزهان، فرماها بحبة عنب فاستقبلتها بفيها فدخلت حلقها، فشرقت بها وماتت، فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها؛ حتى نتنت وهو يشمها وينظر إليها ويبكي، فلما دفنت بقي بعدها خمسة عشر يوما ومات، ودفن إلى جانبها!» (8-2) مؤدب الوليد
قالوا: «وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبا للوليد، وكان زنديقا فحمل الوليد على الشراب والاستخفاف بدينه.» (8-3) ندمان الوليد
قالوا: «ولما ولي الوليد لم يزدد من الذي كان فيه - من اللهو والركوب للصيد وشرب الخمر ومنادمة الفساق - إلا تماديا.»
وإذا صدق القائل:
عن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
فإن ندمان الوليد وخلانه، كانوا نخبة مختارة من الفساق والمجان والمستهترين بلغوا في العهر غايته، ووصلوا في الفجر إلى نهايته.
أليس من ندمانه ومغنيه وأقرب المقربين إليه «ابن عائشة» الذي يجيب بعض سائليه بقوله: «غنيت أمير المؤمنين صوتا، فأطربته، فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة.»
نعم، وهو الذي يحدثنا عنه صاحب ستر الوليد فيقول: «إن ابن عائشة غناه ذات يوم:
إني رأيت صبيحة النفر
حورا نفين عزيمة الصبر
مثل الكواكب في مطالعها
بعد العشاء وطفن بالبدر
وخرجت أبغي الأجر محتسبا
فرجعت موفورا من الوزر
فطرب الوليد وألحد ...» إلى أن يقول: «ثم أكب الوليد على ابن عائشة المغني، ثم لم يبق عضوا من أعضائه إلا قبله ...» ثم ماذا؟
ثم بقية هذا الخبر الذي لا يحتمل المقام روايته، لبذاءته وفحشه. •••
وليس ابن عائشة إلا واحدا من كثيرين حفلت بهم مجالس الوليد ومغانيه، وكان له معهم ما يخجل القلم من ذكره.
هذا عمر بن أبي ربيعة يرجع من أحد مجالس الوليد، فيسأل: «ما الذي كنت تضحك أمير المؤمنين به؟» فيجيب سائله: «ما زلنا في حديث الزنا حتى رجعنا!»
الحق أن الوليد قد وصل به الاستهتار إلى أبعد الغايات، وطوح به في مهاوي الغواية حتى تردى في ظلماتها السحيقة. (8-4) الوليد يخطب الناس شعرا وهو سكران
قالوا: «خرج الوليد - وكان مع أصحابه على شراب - فقيل له: «إن اليوم الجمعة!» فقال: «والله لأخطبنهم اليوم بشعر.» فصعد المنبر فخطب. فقال:
الحمد لله ولي الحمد
أحمده في يسرنا والجهد
وهو الذي في الكرب أستعين
وهو الذي ليس له قرين
أشهد في الدنيا وما سواها
أن لا إله غيره إلها
ما أن له في خلقه شريك
قد خضعت لملكه الملوك
أشهد أن الدين دين أحمد
فليس من خالفه بمهتد
وأنه رسول رب العرش
القادر الفرد الشديد البطش
أرسله في خلقه نذيرا
وبالكتاب واعظا بشيرا
ليظهر الله بذاك الدينا