تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال له أحدهم: «كلمني.»

فقال له: «من أنت؟»

قال: «أنا يزيد بن عنبسة السكسكي!»

قال: «يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخدم زمناكم؟»

فقال: «إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر، وإتيان أولاد أمهات أبيك واستخفافك بأمر الله!»

قال: «حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت وإن فيما أحل لي لسعة!»

ثم قال: «لعمري لقد أكثرتم وأغرقتم! أما والله لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجمع كلمتكم!» (5) الساعة الأخيرة

تقسم كسرى رهطه بسيوفهم

وأمسى أبو العباس

6

أحلام نائم

وقد كان لا يخشى انقلاب مكيدة

عليه ولا جري النحوس الأشائم

مقيما على اللذات حتى بدت له

وجوه المنايا حاسرات العمائم!

وقد ترد الأيام غرا، وربما

وردن كلوحا، باديات الشكائم!

بشار بن برد

وكذلك حان مصرع الوليد، ودقت ساعته الأخيرة، مؤذنة بذهابه من هذا العالم إلى العالم الثاني.

وهنا يحدثنا الرواة؛ فيقول أحدهم: إن الوليد رجع إلى الدار، فجلس وأخذ مصحفا وقال: «يوم كيوم عثمان.» ونشر المصحف يقرأ.

وفي هذا المنظر ما فيه من الروعة، إذا تمثلنا المنظر الآخر المقابل له، وأجلنا الفكر فيما بين الموقفين من التباين الشديد.

فهو هنا يتعزى بقراءة المصحف وهو يشعر بدنو أجله وقرب ساعته الأخيرة.

وهو هناك يقرأ المصحف شامخا مستكبرا تائها - وأمره في تمامه - فيرى فيه قوله تعالى:

واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد .

فيشتعل غيظا وحقدا، وتأخذه العزة بالإثم، فيمزق المصحف ويلقي به إلى الأرض ويخرقه بالنشاب، ثم ينشد غاضبا:

أتوعد كل جبار عنيد

فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشر

فقل يا رب، مزقني الوليد!

وشتان ما بين المنظرين!! •••

على أن الوليد لم يلبث أن عاوده شيء من صلفه وشجاعته، فلم يرض لنفسه استخذاء الذليل أمام الموت.

قال أبو العلاء يحدثنا - في رسالة الغفران - عن الوليد في هذه الساعة:

ويقال إنه لما أحيط به دخل القصر وأغلق بابه، وقال:

دعوا لي «هندا» والرباب «فرتني»

ومسمعة، حسبي بذلك مالا

خذوا ملككم - لا ثبت الله ملككم -

فليس يساوي بعد ذاك عقالا

وخلوا سبيلي (قبل عير وما جرى)

ولا تحسدوني أن أموت هزالا

فألب عن تلك المنزلة أي ألب، ورؤي رأسه في فم كلب! (6) كيف قتل: رواية شاهد عيان

قال من شهد هذا المنظر المروع: «نظرت إلى شاب طويل على فرس؛ فدنا من حائط القصر فعلاه ثم صار إلى داخل القصر! فدخلت القصر، فإذا الوليد قائم في قميص قصب، وسراويل موشى، ومعه سيف في غمد، والناس يشتمونه.»

وقال شاهد آخر: وكان أول من علا الحائط هو عنبسة السكسكي؛ فنزل إليه وسيف الوليد إلى جنبه، فقال له: «نح سيفك.»

فأجابه الوليد: «لو أردت السيف لكانت لي ولك حالة غير هذه.» فأخذ الوليد، فنزل من الحائط عشرة.

قال بعض الرواة: ومضى الوليد يريد الباب؛ فضربه أحدهم على رأسه، وتعاوره الناس بأسيافهم، فقتل.

وطرح أحدهم نفسه عليه يحتز رأسه.

7 (7) كيف مثلوا به؟

قالوا: وأقبل آخر فسلخ من جلد الوليد قدر الكف. ثم انتهب الناس عسكره وخزائنه.

وقد أمر «يزيد» بتنصيب الرأس؛ فقال له بعض خواصه (واسمه ابن فروة): «إنما تنصب رءوس الخوارج، وهذا ابن عمك وخليفة! ولا آمن - إن نصبته - أن ترق له قلوب الناس فيغضب له أهل بيته!»

فقال: «والله لأنصبنه!»

ونصبه على رمح، ثم قال: «انطلق، فطف به مدينة دمشق، وأدخله دار أبيه.»

ففعل، وثم صاح الناس وأهل الدار وانزعجوا من ذلك أشد الانزعاج.

وكذلك أسدل الستار على حياة هذا المستهتر الجبار! (8) خلاعة الوليد واستهتاره

قلنا في الفصل السابق إن أول الأسباب التي تضافرت على إهلاك الوليد خلاعته وتفانيه في لهوه وفجوره، ووعدنا في ختامه بالإلمام بطائفة من مخازيه وآثامه، وليس يسعنا أن نبر بهذا الوعد، دون أن نضطر إلى ذكر كثير من الأشياء التي ينبو عنها الذوق، وتأباها الآداب الكريمة، لهذا تجاوزنا عن كثير من فحشه، وألممنا بما يمكننا الإلمام به من مخزيات هي - على شناعتها - أقل ما اقترفه من الدنايا، وهي - على إمعانها في الفجر - أيسر من غيرها وأخف على النفس من سواها. (8-1) أبو الوليد

مصارع الخلفاء · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الخلفاءص ١٣