قالوا: وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد قال: «الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك.»
وفي هذه الجملة كل معاني الحسرة والندم!
وبعد أن مات «يزيد بن عبد الملك» بدأ هشام بتعظيم الوليد، ثم داخله الطمع فأراد استخلاف ابنه بعده، فلما رأى الوليد حجر عثرة في طريق مطامعه أراده على ذلك، فأبى، فطلب إليه أن يستخلف ابنه بعد خلافته، فأبى الوليد ذلك أيضا.
هنا حقد هشام على ابن أخيه، وتنمر للوليد، وأخذ يملأ الدنيا عليه تشنيعا ثم أقصاه عنه، واضطهد أصدقاءه والمقربين إليه، ونكل ببعضهم تنكيلا،
3
ومات هشام وفي فؤاده حسرة من الوليد.
4
فلما آل الأمر للوليد كان أول همه الانتقام والتمثيل بأعدائه حتى كال لهشام المد صاعا،
5
وانتقم لنفسه من أبناء أخيه وأهله وأنصاره انتقاما أحفظ عليه أسرته، وما زال يمعن في التنكيل بأعدائه، وهم يمعنون في التشهير به ونشر الدعاية ضده وعلى رأسهم «يزيد بن الوليد» الذي اتخذ - من ظهوره بالنسك أمام الناس ومحبتهم إياه - وسيلة لتبغيضهم في الوليد، فما ترك فرصة للتشنيع عليه إلا انتهزها، ولا عرض ذكره إلا لقبه بالفاسق.
قالوا: وكان يظهر النسك، ويتواضع ويقول: «ما يسعنا الرضا بالوليد!» حتى أدرك إربته، وألب الناس ضده، رافعا أمامهم علم الثورة التي انتهت بالفتك بالوليد، وانتقال الأمر إلى يزيد.
وهكذا تضافرت الظروف على إهلاك الوليد ونال أعداؤه منه ما يريدون، وقد يمكن تلخيصها جميعا فيما يلي: (1)
تهتك الوليد واستهتاره، وميله الشديد إلى مراغمة الناس ومجاهرته بعصيانه وآثامه، واحتقار ما تواضعوا على احترامه. (2)
استغلال خصومه هذه الناحية منه وإذاعة سوآته مكبرة مبالغا فيها، نافخين في أبواق الفتنة، مستثيرين حمية الناس لتنفيرهم منه، وكان ألد خصومه وأشدهم تشهيرا به اثنان: هشام قبل خلافة الوليد، ويزيد بعدها. (3)
ثقة الوليد بنفسه وشدة اعتداده بقوته، إلى حد أغفل معه كل احتياط لدرء الفتنة والقضاء على دسائس خصومه وهي في مهدها، قبل أن تستفحل وتصل إلى هذا الحد. (2) الثورة: شجاعة الوليد
قالوا: «كان الوليد شديد البطش، طويل أصابع الرجلين، وكان يوتد له سكة حديد فيها خيط، ويشد الخيط في رجله ثم يثب على الدابة فينتزع السكة ويركب، ما يمس الدابة بيده.»
قالوا: «ولما اندلعت نيران الثورة التي شبها «يزيد بن الوليد» علم وبلغه ذلك، أمر أصحابه فأخرجوا سريرا، وجلس عليه، وقال: أعلي توثب الرجال، وأنا أثب على الأسد، وأتخصر الأفاعي؟» •••
وهذا قليل من كثير مما يحدثنا به التاريخ عن شجاعته ورباطة جأشه، ولكن ماذا تجديه شجاعته في مثل هذا المأزق الحرج؟ وماذا تغنيه قوته ورباطة جأشه أمام هذه الجموع الزاخرة المتألبة عليه؟
ماذا يفعل وقد خذله أنصاره، وتفرق عن نصرته رجاله، وتم الأمر - أو كاد - لخصمه «يزيد بن الوليد» الذي عرف كيف يشهر به، ويذيع مخازيه وآثامه مكبرة مجسمة في الآفاق؛ حتى بلغ إربته، وبايعه أكثر الناس؟
ليس أمامه غير الهزيمة، ولكنه لم يشأ أن يتعجلها، وأبى إلا الثبات لعل فيه فرجا، ولم تخنه شجاعته في هذا الظرف العصيب فخرج محاربا مستبسلا في دفاعه.
وقد ظاهر بين درعين - كما يقول المؤرخون - وأتوه بفرسيه «السندي» و«الزائد» فقاتل أعداءه قتالا شديدا. (3) انخذال الوليد
ولكن رجلا من أعداء الوليد ناداهم: «اقتلوا عدو الله قتلة قوم لوط، ارموه بالحجارة!»
فلم يكد يسمع ذلك، حتى شعر بالخيبة، وأدرك أن أمره وشيك الزوال، وعلم أن ليس في استطاعته أن يصد هذه الجموع المتألبة الملتهبة حماسا، وأن الدفاع في هذا الموطن معناه الدمار.
فلجأ مضطرا إلى الانسحاب، فدخل القصر وأغلق الباب، ولكن أعداءه أحاطوا بالقصر. (4) محاسبة الوليد
قالوا: فلما رأى الوليد هذه الجموع الزاخرة دنا من الباب فقال: «أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه؟»