تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأنت ترى أن قتل هؤلاء الزعماء الثلاثة «علي ومعاوية وابن العاص» كان أمرا مقررا محتوما. وأن القدر وحده هو الذي حال دون هذه الخاتمة، وأنقذت تصاريفه العجيبة «معاوية وابن العاص» ولم يمت من بين هؤلاء إلا «ابن أبي طالب» رضي الله عنه.

7

فقد رووا أن «البرك بن عبد الله» قعد لمعاوية في الليلة التي ضرب فيها علي، فلما خرج معاوية ليصلي (الغداة) شد عليه بسيفه فوقع في إليته، فأخذ، فقال: «إن عندي خبرا أسرك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك؟» قال: «نعم» قال «إن أخا لي قتل عليا في مثل هذه الليلة.» قال: «فلعله لم يقدر على ذلك؟» قال: «بلى، إن عليا يخرج ليس معه من يحرسه.» فأمر به معاوية فقتل. وبعث معاوية إلى طبيبه؛ فلما نظر إليه قال: «اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها؛ فإن ضربتك مسمومة.» فقال معاوية: «أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في «يزيد وعبد الله» ما تقر به عيني.» فسقاه تلك الشربة فبرأ ولم يولد له بعدها.

8

وكان ذلك كل ما لقيه معاوية من الجزاء على هذه الفتنة التي سعر نارها وأذكى أوارها.

أما «عمرو بن العاص» فقد جلس له «عمرو بن بكر» تلك الليلة، ولكن «ابن العاص» لم يخرج تلك الليلة، وكان اشتكى بطنه، فأمر «خارجة بن حذافة» - وكان صاحب شرطته - فخرج ليصلي فقتله «عمرو بن بكر» فأخذه الناس فانطلقوا به إلى عمرو يسلمون عليه بالإمرة، فقال: «من هذا؟» قالوا: «عمرو» قال: «فمن قتلت!» قالوا: «خارجة بن حذافة» قال: «أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك!»

فقال عمرو: «أردتني وأراد الله خارجة.» فقدمه عمرو فقتله؟

فليتها إذ فدت عمرا بخارجة

فدت عليا بما شاءت من البشر

ولكن:

تقفون والفلك المسخر دائب

وتقدرون فتضحك الأقدار

| هوامش

| مصرع الوليد الثاني

ويا دهر لحاك الله

ما هنأت فرحانك

أبو العلاء «ويقال إنه لما أحيط به دخل القصر وأغلق بابه، وقال:

دعوا لي «هندا» و«الرباب» و«فرتنى»

ومسمعة، حسبي بذلك مالا

خذوا ملككم، لا ثبت الله ملككم

فليس يساوي - بعد ذاك - عقالا

وخلوا سبيلي (قبل عير وما جرى

1 )

ولا تحسدوني أن أموت هزالا

فألب عن تلك المنزلة أي ألب، ورؤي رأسه في فم كلب كذلك نقل بعض الرواة، والله القائم بجزاء الغواة.

رسالة الغفران (1) إلمامة تاريخية

ما ذكرت مصرع الوليد،

2

إلا ذكرت معه مصرع الدولة الأموية الوشيك، وذكرت كيف تنجز الثورات الداخلية ما عجزت عنه الثورات الخارجية، وكيف تقضي الحروب الأهلية على دولة قوية لها ماض مجيد في الفتوحات والانتصارات الباهرة، بعد أن تمكنت من البطش بأقوى الثائرين وأشدهم مراسا وأصلبهم عودا.

ولكن المطامع والأحقاد التي شبت في جوانح أفراد هذه الأسرة - في عهد الوليد وبعده - عرفت كيف تنهك هذه الدولة وتقودها إلى الدمار، ثم تسلمها لقمة سائغة - بعد قليل من الزمن - إلى العباسيين المتطلعين إلى الملك.

ولقد تنبأ العباس «ابن عم الوليد» بهذه العاقبة، ودل على أصالة رأيه وبعد نظره، إذ عنف أخاه يزيد أشد تعنيف، وحذره من إثارة الفتن حين رآه متطلعا إلى الخلافة راغبا في الانقضاض على الوليد، وأغلظ له القول، ثم تمثل قائلا:

إني أعيذكم بالله من فتن

مثل الجبال، تسامي، ثم تندفع

إن البرية قد ملت سياستكم

فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا

لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم

إن الذئاب ما ألحمت رتعوا

لا تبقرن بأيديكم بطونكم

فثم لا حسرة تغني ولا جزع!

ولقد صحت نبوءته، وتحقق صدق ما تمثل به من الشعر، ووقع كل ما قال. •••

لقد أساء يزيد بن عبد الملك إلى ابنه الوليد عن غير ما قصد أيما إساءة، إذ أسند الأمر - من بعده - إلى أخيه هشام، ثم أدرك خطأه وندم أشد الندم ولكن بعد فوات الفرصة.

فقد استخلف أخاه هشاما حين بلغ «الوليد» إحدى عشرة سنة، فلما بلغ خمس عشرة، ندم على تسرعه.

مصارع الخلفاء · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الخلفاءص ١١