وعزاها بهذا الكلام ونحوه وقال لها: «يا أخية، إني أقسم عليك فأبري قسمي: لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت.»
قال: «ثم جاء بها حتى أجلسها عندي وخرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض وأن يكونوا هم إلى الوجه الذي يأتيه منه عدوهم.» (8) يوم المصرع
وأمر الحسين أصحابه أن يلقوا بالحطب والقصب في خنادق كانوا حفروها خلف خيامهم لتحميهم من العدو حتى لا يباغتهم من ورائهم، ففعلوا.
ومن عجائب المقادير أن يمر بهم شمر بن ذي الجوشن فيرى النار تضطرم فينادي بأعلى صوته: «يا حسين، استعجلت النار في الدنيا قبل القيامة؟»
ويقول «مسلم بن عوسجة» للحسين: «يا ابن رسول الله جعلت فداك، ألا أرميه بسهم فإنه قد أمكنني.»
فيقول له الحسين: «لا ترمه، فإني أكره أن أبدأهم.»
وفي هذا دليل على ميل الحسين إلى المسالمة حتى في آخر ساعة من ساعاته الحرجة، وكأنما أراد أن يمعنوا في بغيهم إلى آخر لحظة، وأبي على نفسه أن يكون البادئ بالقتال فضيع بذلك فرصة نادرة بقتل هذا الشرير الخطر، كما أضاع من قبلها كثيرا من الفرص.
ودارت بينه وبين الأعداء مناقشات طويلة فياضة بالبلاغة وقوة الحجة، ولكن قلوب أعدائه قدت من صخر فلم يأبهوا لما يقول.
وقد تأثر بقوله الحر بن يزيد وانضم إليه - بعد تردد - حين رأى الحيف قد بلغ أقصاه.
قالوا: ولما زحف «عمر بن سعد» قال له الحر بن يزيد:
11 «أصلحك الله، أمقاتل أنت هذا الرجل؟!»
قال: «أي والله قتالا أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدي.»
قال: «أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى؟»
قال عمر بن سعد: «أما والله لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك؟»
قالوا: فأقبل حتى وقف من الناس موقفا، وأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا فقال له رجل من قومه: «إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن، ولو قيل لي: «من أشجع أهل الكوفة رجلا؟» ما عدوتك في هذا الذي أرى منك.»
قال: «إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت.» ثم ضرب فرسه فلحق بحسين فقال له: «جعلني الله فداك يا ابن رسول الله، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان. والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه المنزلة! فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم. والله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك. وإني قد جئت تائبا مما كان مني إلى ربي ومواسيا لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟»
قال: «نعم يتوب الله عليك ويغفر لك، ما اسمك؟»
قال: «أنا الحر بن يزيد.»
قال: «أنت الحر كما سمتك أمك، أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والآخرة.»
وقد بر بوعده وقاتل الأعداء حتى قتل.
12 (9) مصارع الشهداء
وزحف عمر بن سعد، ثم وضع سهمه في كبد قوسه ثم رمى، فقال: اشهدوا أني أول من رمى.
وهكذا صرح الشر وبدأت الحرب المجرمة بهذا السهم الجائر وقتل أنصار الحسين - واحدا بعد الآخر - وهو يرى بعينه مصارعهم ولا يستطيع أن يدفعها عنهم، وهم يجودون بنفوسهم الكريمة رغبة في افتدائه، وقد ذهبت هذه الأرواح الطاهرة إلى ربها دون أن تتمكن من إنقاذ الحسين، ولو شئنا أن نثبت في هذا الكتيب مصارع هؤلاء الشهداء، لما بقي فيه مكان لغيرهم. رحمة الله عليهم جميعا.
الحسين في ساعته الأخيرة
رأس ابن بنت محمد ووصيه
يا للرجال على قناة يرفع
والمسلمون - بمنظر وبمسمع -
لا جازع من ذا ولا متخشع
أيقظت أجفانا وكنت لها كرى